الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في آداب الجمعة والأغسال المسنون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل في آدابها والأغسال المسنونة ) ( يسن الغسل [ ص: 465 ] لحاضرها ) أي مريد حضورها ، وإن لم تلزمه للأخبار الصحيحة فيه وصرفها عن الوجوب الخبر الصحيح { من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل } أي فبالسنة أي بما جوزته من الاقتصار على الوضوء أخذ ونعمت الخصلة هي ولكن الغسل معها أفضل وينبغي لصائم خشي منه مفطر ، أولو على قول تركه وكذا سائر الأغسال ( وقيل ) يسن الغسل ( لكل أحد ) ، وإن لم يرد الحضور كالعيد وفرق الأول بأن الزينة ثم مطلوبة لكل أحد وهو من جملتها بخلافه هنا فإن سبب مشروعيته دفع لريح الكريه عن الحاضرين ( ووقته من الفجر ) الصادق ؛ لأن الأخبار علقته باليوم وفارق غسل العيد بأن صلاته تفعل أول النهار غالبا فوسع فيه بخلاف هذا ( وتقريبه من ذهابه ) إليها ( أفضل ) ؛ لأنه أبلغ في دفع الريح الكريه ، ولو تعارض مع التبكير قدمه حيث أمن الفوات على الأوجه للخلاف في وجوبه ومن ثم كره تركه وهذا أولى من بحث الأذرعي أنه إن قل تغير بدنه بكر وإلا اغتسل ولا يبطله طرو حدث ، ولو أكبر

( فإن عجز ) عن الماء للغسل بطريقه السابق في التيمم ( تيمم ) [ ص: 466 ] بنيته بدلا عن الغسل أو بنية طهر الجمعة وقول الشارح تبعا للإسنوي بنية الغسل مراده نية تحصل ثوابه وهي ما ذكرته ( في الأصح ) كسائر الأغسال المسنونة ولأن القصد النظافة والعبادة فإذا فاتت تلك بقيت هذه وهل يكره ترك التيمم إعطاء له حكم مبدله كما هو الأصل أو لا لفوات الغرض الأصلي فيه من النظافة كل محتمل ، ولو وجد ماء يكفي بعض بدنه فظاهر أنه يأتي هنا ما يجيء في غسل الإحرام ، ولو فقد الماء بالكلية سن له بعد أن يتيمم عن حدثه تيمم عن الغسل ، فإن اقتصر على تيمم بنيتهما فقياس ما مر آخر الغسل حصولهما ويحتمل خلافه لضعف التيمم ( ومن المسنون غسل العيد ) لما مر ( والكسوف ) الشامل للخسوف ( والاستسقاء ) لاجتماع الناس لهما ويدخل وقته بأول الكسوف وإرادة الاجتماع لصلاة الاستسقاء ( و ) الغسل ( لغاسل الميت ) المسلم [ ص: 467 ] وغيره للخبر الصحيح { من غسل ميتا فليغتسل } وصرفه عن الوجوب الخبر الصحيح { ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه } وقيس بميتنا ميت غيرنا .

( و ) غسل ( المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا ) ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يغمى عليه في مرض موته ، ثم يغتسل وقيس به المجنون بل أولى لأنه مظنة لإنزال المني ولم يلحق بالنوم في كونه مظنة للحدث ؛ لأنه لا أمارة عليه وهنا خروج المني يشاهد فإذا لم ير لم يوجد مظنة وينوي هنا رفع الجنابة ؛ لأن غسله لاحتمالها كما تقرر ويجزئه بفرض وجودها إذا لم يبن الحال أخذا مما مر في وضوء الاحتياط [ ص: 468 ] ( و ) غسل ( الكافر إذ ا أسلم ) أي بعد إسلامه للأمر به صححه ابن حبان وغيره ولم يجب لأن كثيرين أسلموا ولم يؤمروا به وينوي هنا سببه كسائر الأغسال إلا غسل ذينك كما مر ما لم يحتمل وقوع جنابة منه قبل فيضم ندبا إليها نية رفع الجنابة كما هو ظاهر ، أما إذا تحقق وقوعها منه قبل فيلزمه الغسل ، وإن اغتسل في كفره لبطلان نيته ( وأغسال الحج ) الشامل للعمرة الآتية وغسل اعتكاف وأذان ودخول مسجد وحرم المدينة ومكة لحلال ولكل ليلة من رمضان ، قال الأذرعي إن حضر الجماعة وفيه نظر ؛ لأنه لحضور الجماعة لا يختص برمضان فنصهم عليه دليل على ندبه ، وإن لم يحضرها لشرف رمضان ولحلق عانة أو نتف إبط كما صح عن ابني عمر وعباس رضي الله عنهم ولبلوغ بالسن ولحجامة أو نحو فصد ولخروج من حمام ولتغير الجسد [ ص: 469 ] وكذا عند كل حال يقتضي تغيره وعند كل مجمع من مجامع الخير وعند سيلان الودي

( وآكدها غسل غاسل الميت ) للخلاف في وجوبه ويؤخذ منه كراهة تركه أيضا ( ثم ) غسل ( الجمعة وعكسه القديم ) فقال : إن غسل الجمعة أفضل منه للأخبار الكثيرة فيه مع الخلاف في وجوبه أيضا ، واستشكل بأن القديم يرى وجوب غسل غاسل الميت وسنية غسل الجمعة فكيف تفضل سنة على واجب ورد بأن له قولا فيه بوجوب غسل الجمعة أيضا ( قلت القديم هنا أظهر ورجحه الأكثرون وأحاديثه صحيحة كثيرة وليس للجديد ) في أفضلية غسل الميت على غسل الجمعة ( حديث صحيح والله أعلم ) أي متفق على صحته فلا يرد خبر { من غسل ميتا } ، وإن صحح له بعض الحفاظ مائة وعشرين طريقا على أن البخاري رجح وقفه على أبي هريرة وصحح جمع { أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربعة من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة [ ص: 470 ] وغسل الميت } ولا دليل فيه للقديم ولا للجديد ومن فوائد الخلاف لو أوصى بماء للأولى به .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل يسن الغسل إلخ ) [ ص: 465 ] قوله في المتن : لحاضرها ) عبارة العباب ويختص بمن يحضرها ، ولو امرأة قال في شرحه وأفهم تخصيصه بما ذكر فواته بفعلها فيتعذر قضاؤها وهو ظاهر ، ثم رأيت السبكي أفتى بأن الأغسال المسنونة لا تقضى مطلقا ؛ لأنها إن كانت للوقت فقد فات أو السبب فقد زال ويستثنى منه نحو دخول مكة أو المدينة إذا لم يتم دخوله وقد يفهمه كلامه ؛ لأن السبب إلى الآن لم يزل إذ لا يزول إلا بالاستقرار بعد تمام الدخول . ا هـ . شرح العباب وينبغي أن يستثنى نحو غسل الإفاقة من جنون البالغ ؛ لأنه لاحتمال الجنابة وذلك موجود مع الفوات . نعم إن حصلت له جنابة بعد الإفاقة واغتسل لها انقطع طلب الغسل السابق ( قوله : لحاضرها ) قال في العباب ، ولو امرأة . ا هـ .

وفي الروض آخر الباب فرع لا بأس بحضور العجائز بإذن الأزواج وليحترزن من الطيب والزينة أي يكرهان لهن . ا هـ . وصرح في شرحه بأن حضور العجائز مستحب ، ثم قال وخرج بالعجوز أي غير المشتهاة الشابة والمشتهاة فيكره لهما الحضور كما مر في صلاة الجماعة بزيادة وبالإذن ما إذا كان لها زوج ولم يأذن لها فيحرم حضورها مطلقا وفي معنى الزوج السيد ا هـ وحيث كره الحضور أو حرم هل يستحب الغسل فيه نظر ويتجه لي الآن عدم استحبابه ؛ لأنها منهية عن الحضور فلا تؤمر بما هو من توابع الحضور المنهي عنه وقد يقال : لا تؤمر به من حيث الحضور للجمعة وتؤمر به من حيث مطلق الاجتماع كما قالوا يسن الغسل لكل اجتماع وفيه نظر ؛ لأنه اجتماع منهي عنه إلا أن يقال بطلب دفع الريح الكريه عن الحاضرين ، وإن تعدى بالحضور ( قوله : على الأوجه ) أي وفاقا للزركشي ( قوله : ولا يبطله طرو حدث ، ولو أكبر ) عبارة العباب ولا يبطله طرو حدث أو جنابة لكن تسن إعادته ا هـ وظاهره سن إعادته فيهما [ ص: 466 ] لكن عبارة المجموع مصرحة بعدم استحبابه للحدث بل محتملة لعدم استحبابه للجنابة أيضا كما بينه الشارح في شرحه وهو كما بين

( قوله : بنيتهما ) خرج ما إذا نوى أحدهما فقط فلا يحصل الآخر كما يعلم مما مر آخر الغسل ( قوله في المتن : غسل العيد والكسوف والاستسقاء ) ظاهره ، وإن فعلت الثلاثة فرادى ، وإن أشعر التعليل بخلافه ( قوله : وإرادة الاجتماع ) لعل هذا في غير من أراد الانفراد بها ( قوله : [ ص: 467 ] للخبر الصحيح { من غسل ميتا فليغتسل } ) بقية الخبر { ومن حمله فليتوضأ } قال في شرح العباب أي ندبا . ا هـ . وهل المراد أن الوضوء بعد الحمل كما هو ظاهر اللفظ أو قبله والمعنى من أراد حمله فيه نظر فليراجع وعبارة الروض والغسل من غسل الميت سنة كالوضوء من مسه ا هـ وفي شرحه في قوله في الخبر { ومن حمله فليتوضأ } وقيس بالحمل المس ا هـ وقوله : وقيس إلخ يقتضي أن الوضوء بعد الحمل كما أنه بعد المس لا قبله كما هو ظاهر وفي شرح م ر ومن حمله أي أراد حمله . ا هـ . فليراجع وظاهر قوله في الحديث فليغتسل أن الاغتسال بعد تغسيل الميت

( قوله : ولم يلحق بالنوم في كونه مظنة للحدث ) أي حتى يجب الغسل ، وإن لم يعلم خروج المني ( قوله : وينوي هنا رفع الجنابة إلخ ) ظاهره وجوبا حتى لا يجزئ في السنة غير هذه النية م ر قال في شرح العباب على أنه يشرع الغسل لمن لا يتصور منه إنزال كالصبي المجنون إذا أفاق . ا هـ . ومعلوم أن الصبي لا يحتمل الإنزال وحينئذ يلزم أن لا تتعين نية رفع الجنابة في حصول هذا الغسل بل لا تجوز بل تحصل سنته بنية سببه أيضا بأن ينوي الغسل من الإفاقة فيكون الحاصل أن الصبي ينوي الغسل من الإفاقة والبالغ ينوي هذا أو رفع الجنابة إن لم يريدوا بأنه ينوي رفع الجنابة تعين ذلك كما هو ظاهر العبارة لكن لا وجه لتعينه إن قالوا بمشروعية هذا الغسل لمن لا يتصور منه إنزال ( قوله : رفع الجنابة ) ينبغي أو نحو رفع الحدث من كل ما يكفي لرفع الجنابة ( قوله : في [ ص: 468 ] المتن والكافر إذا أسلم ) قال في العباب وحلق رأسه قبل غسله قال في شرحه لا بعده كما في الجواهر عن النص خلافا لمن وهم فيه . ا هـ .

ويحتمل حمل الأول على ما إذا لم يكن عليه جنابة ، والثاني على ما إذا كانت عليه لترتفع عن الشعر أيضا ويحتمل ترجيح الأول مطلقا إذ لا اعتبار بشعر الكفر وإطلاق حلق رأس الكافر يشمل حلق رأس الأنثى وله وجه نظرا لمصلحة إلقاء شعر الكفر ، وإن سلم أن الحلق مثلة في حقها فتستثنى هذه الحالة لما ذكر وأما حلق لحية الذكر فالظاهر أنه غير مطلوب هنا والفرق أن غير اللحية مما يطلب إزالة شعره في الجملة بخلافها وأنه قيل بحرمة إزالة شعر اللحية بخلاف غيرها ا هـ .

( قوله : وينوي هنا سببه ) ظاهره وجوب ذلك في حصول هذه السنة ( قوله : أما إذا تحقق وقوعها ) أي أو وقوع الحيض ( قوله : الآتية ) صفة الأغسال ( قوله : لحلال ) أي وأما المحرم فداخل في قوله وأغسال الحج ( قوله : لحضور الجماعة ) شامل [ ص: 469 ] لجماعة النهار وغير رمضان وقضية ذلك سن الغسل لجماعة كل من الخمس فليراجع .

( قوله : وعند كل مجمع إلخ ) هل ، ولو لجماعة كل من الخمس وعبارة العباب ولكل اجتماع قال في شرحه أي على مباح فيما يظهر ؛ لأن الاجتماع على معصية لا حرمة له إلخ . ا هـ .

( قوله : فكيف تفضل سنة على واجب ) ما المانع فإن لذلك نظائر ( قوله : ورد بأن له قولا إلخ ) حاصل هذا اختلاف القديم في وجوب غسل الجمعة ومجرد هذا لا يدفع الإشكال بالكلية إلا إن اختلف أيضا في وجوب غسل غاسل الميت إذ لو جزم بوجوبه واختلف في وجوب غسل الجمعة لم يخل تفضيل ما اختلف في وجوبه على ما جزم بوجوبه عن الإشكال ( قوله : في المتن وليس للجديد ) عبارة المحلي من الأحاديث الطالبة لغسل غاسل الميت ا هـ قال في شرح العباب وسكتوا عن ترتيب البقية ويظهر أن الأولى منها ما اختلف في وجوبه ، ثم ما صح حديثه ، فإن استوى اثنان أو أكثر في الاختلاف في الوجوب وصحة [ ص: 470 ] الدليل قدم ما كثرت أخباره الصحيحة أخذا من تقديمهم غسل الجمعة لذلك مع استوائه هو وغسل غاسل الميت في الاختلاف في وجوبهما ، ثم ما كان النفع متعديا فيه أكثر وكذا يقال في مسنونين ضعف دليلهما فيقدم ما نفعه أكثر . ا هـ . ( قوله : وغسل الميت ) هذا يدل على أنه عليه السلام غسل الميت .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث