الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ( 40 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية في معنى قوله : " أرأيتكم " .

فقال بعض نحويي البصرة : " الكاف " التي بعد " التاء " من قوله : " أرأيتكم " إنما جاءت للمخاطبة ، وتركت " التاء " مفتوحة كما كانت للواحد . قال : وهي مثل " كاف " " رويدك زيدا " إذا قلت : أرود زيدا . هذه " الكاف " ليس لها موضع مسمى بحرف ، لا رفع ولا نصب ، وإنما هي في المخاطبة مثل كاف " ذاك " . ومثل ذلك قول العرب : " أبصرك زيدا " يدخلون " الكاف " للمخاطبة .

وقال آخرون منهم : معنى : " أرأيتكم إن أتاكم " أرأيتم . قال : وهذه " الكاف " تدخل للمخاطبة مع التوكيد ، و " التاء " وحدها هي الاسم ، كما أدخلت " الكاف " التي تفرق بين الواحد والاثنين والجميع في المخاطبة ، كقولهم : " هذا ، وذاك ، وتلك ، وأولئك " فتدخل " الكاف " للمخاطبة ، وليست باسم ، و " التاء " هو الاسم للواحد والجميع ، تركت على حال واحدة ، ومثل ذلك قولهم : [ ص: 352 ] " ليسك ثم إلا زيد " يراد : ليس و " لا سيك زيد " فيراد : ولا سيما زيد و " بلاك " فيراد ، " بلى " في معنى : " نعم " و " لبئسك رجلا ولنعمك رجلا " . وقالوا : " انظرك زيدا ما أصنع به " و " أبصرك ما أصنع به " بمعنى : أبصره . وحكى بعضهم : " أبصركم ما أصنع به " يراد : أبصروا ، و " انظركم زيدا " أي انظروا . وحكي عن بعض بني كلاب : " أتعلمك كان أحدا أشعر من ذي الرمة ؟ " فأدخل " الكاف " .

وقال بعض نحويي الكوفة : " أرأيتك عمرا " أكثر الكلام فيه ترك الهمز . قال : و " الكاف " من " أرأيتك " في موضع نصب ، كأن الأصل : أرأيت نفسك على غير هذه الحال ؟ قال : فهذا يثنى ويجمع ويؤنث ، فيقال : " أرأيتما كما " و " أرأيتموكم " . و " وأرأيتنكن " أوقع فعله على نفسه ، وسأله عنها ، ثم كثر به الكلام حتى تركوا " التاء " موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع ، فقالوا : " أرأيتكم زيدا ما صنع " و " أرأيتكن ما صنع " فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها ، فجعلوها بدلا من " التاء " كما قال : هاؤم اقرءوا كتابيه [ سورة الحاقة : 19 ] ، و " هاء يا رجل " و " هاؤما " ثم قالوا : " هاكم " اكتفى بالكاف والميم مما كان يثنى ويجمع . فكأن " الكاف " في موضع رفع ، إذ كانت بدلا من " التاء " . وربما وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث ، وهي كقول القائل : " عليك زيدا " " الكاف " في موضع خفض ، والتأويل رفع . فأما ما يجلب فأكثر ما يقع على الأسماء ، ثم تأتي بالاستفهام فيقال : " أرأيتك زيدا هل قام " لأنها صارت بمعنى : أخبرني عن زيد ، ثم بين عما يستخبر . فهذا أكثر الكلام . ولم يأت [ ص: 353 ] الاستفهام يليها . لم يقل : " أرأيتك هل قمت " لأنهم أرادوا أن يبينوا عمن يسأل ، ثم تبين الحالة التي يسأل عنها . وربما جاء بالجزاء ولم يأت بالاسم ، فقالوا : " أرأيت إن أتيت زيدا هل يأتينا " و " أرأيتك " أيضا و " أرأيت زيدا إن أتيته هل يأتينا " إذا كانت بمعنى : " أخبرني " فيقال باللغات الثلاث .

قال أبو جعفر : وتأويل الكلام : قل يا محمد ، لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام : أخبروني ، إن جاءكم أيها القوم عذاب الله ، كالذي جاء من قبلكم من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالصاعقة أو جاءتكم الساعة التي تنشرون فيها من قبوركم ، وتبعثون لموقف القيامة ، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم من البلاء ، أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نزل بكم من عظيم البلاء ؟ " إن كنتم صادقين " يقول : إن كنتم محقين في دعواكم وزعمكم أن آلهتكم التي تدعونها من دون الله تنفع أو تضر .

التالي السابق


الخدمات العلمية