الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم

جزء التالي صفحة
السابق

( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ) .

هذه الآية في دحض شبهتهم على عبادة غير الله تعالى وهي الشفاعة ، وتقدم في الآية الثالثة بطلانها وإقامة الحجة على وجوب عبادة الرب الخالق المدبر وحده ، وصرح هنا بإسناد هذا الشرك إليهم وباحتجاجهم عليه بالشفاعة . ثم لقن رسوله الحجة على بطلان هذا الاحتجاج فقال :

( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) الكلام معطوف على ما قبله من بيان [ ص: 265 ] شركهم وسخافتهم فيه ، ومكابرتهم في جحود الحق الذي دعاهم إليه الوحي ، أي ويعبدون ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا من الأصنام وغيرها من دون الله أي غير الله ، والمعنى : أنهم يعبدونها حال كونهم متجاوزين ما يجب من عبادته وحده ، لا أنهم يعبدونها وحدها ، فما معنى كونهم مشركين إلا أنهم يعبدونه ويعبدون غيره ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ( 12 : 106 ) وفي وصفها بأنها لا تضرهم ولا تنفعهم إيذان بسبب عبادتها وضلالهم فيه ، وتذكير بأنه هو القادر على نفع من يعبده ، وضر من يكفره ، ويشرك بعبادته غيره في الدنيا والآخرة .

وأصل غريزة العبادة الفطرية في البشر ، في سذاجتهم التي لا تلقين فيها لحق ولا باطل ، هي الشعور الباطن بأن في الوجود قوة غيبية وسلطانا علويا على التصرف في الخلق بالنفع لمن شاء ، وإيقاع الضر على من شاء وكشفه بعد وقوعه عمن شاء ، غير مقيد في ذلك بسبب من الأسباب المسخرة للناس ، فمن اطلع على تواريخ البشر في كل طور من أطوار حياتهم البدوية والحضرية ، يظهر له أن هذا هو أصل التدين الغريزي فيهم ، وأما صور التعبد وتسمية المعبودات فمنها ما هو من اجتهادهم ، ومنها ما هو من تلقين دعاة الدين فيهم من الأنبياء وغيرهم . فكل ما عبد من دون الله بالرأي والاجتهاد ، فإنما عبده من عبده لشبهة فهم منها قدرته على النفع والضر بسلطان له فوق الأسباب وقد بينا ذلك في مواضع أخرى أولها تفسير العبادة من سورة الفاتحة ، وأوسطها وأبسطها تفسير قصة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مع أبيه آزر من سورة الأنعام ، ومن آخرها في تفسير هذه السورة ما جاء في بيان الركن الأول من أركان الدين ، وفي الكلام على الخوارق من بحث الوحي الاستطرادي .

فليس المراد من كون هذه المعبودات لا تضرهم ولا تنفعهم - هو بيان عجزها عن النفع والضر ؛ لأنها إما جمادات مصنوعة كالأوثان المتخذة من الحجارة أو الخشب ، والأصنام المتخذة من المعادن وكذا الحجارة ، أو غير مصنوعة كاللات وهي صخرة كانت بالطائف يلت عليها السويق ثم عظمت حتى عبدت ، وإما أشجار كالعزى معبودة قريش ، والشجرة التي قطعها الشيخ محمد عبد الوهاب في نجد ، وشجرة المنضورة التي يقصدها النساء في مصر لأجل الحبل ، فإن أكثر الأوثان والأصنام قد وضعت ذكرى لبعض الصالحين من البشر كما رواه البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - في أصنام قوم نوح ، ثم انتقلت عبادتهم إلى العرب ، وكانوا يعتقدون أن فيها أرواحا من الجن كما روي في حديث قطع شجرة العزى أو شجراتها الثلاث ، إذ ظهرت عند قطعها لخالد بن الوليد امرأة سوداء عريانة ناشرة شعرها ، كانوا يزعمون أنها جنية ، فأرادت أن تواثبه وتخيفه فقتلها ، فهي كالقبور التي تشرف وتجصص ويوضع عليها الستور وتبنى عليها القباب ، لمثل السبب الذي وضعوا له تماثيل الأوثان ، وعبدة [ ص: 266 ] هذه القبور يعتقدون أن المدفونين فيها أحياء يقضون حاجات من يدعونهم ويستغيثونهم ، وعلماء الخرافات يقولون لهم إن عملهم هذا شرعي .

نعم ليس المراد هنا من نفي ضرها ونفعها أنها جمادات لا عمل لها فقط كما قيل ، وإن كانت الحجة على عبادة هذه الأصنام أظهر من الحجة على عبادة الثعابين والبقر والقرود - ولا يزال لها بقية في الهند - وعلى عبادة البشر التي هي أساس النصرانية الآرية التي وضعها الإمبراطور قسطنطين ، ومن اتبع سنن النصارى والهنود من جهلة المسلمين ، وإنما المراد المقصود بالذات بيان بطلان الشرك بالألوهية ، وهو عبادة غير الله مهما يكن المعبود ، وبطلان الشرك بالربوبية وهو قسمان : ادعاء وساطتهم في الخلق والتدبير ، واحتجاجهم عليهم بشفاعتهم عند الله . وهو كذب في التشريع الذي هو حق الرب وحده ولا يعلم إلا بوحيه . بيان الأول : أن كل ما عبد ومن عبد من دون الله حتى الجن والملائكة لا يملكون لعابديهم النفع والضر بالقدرة الذاتية الغيبية ، التي هي فوق الأسباب التي منحها الخالق للمخلوقات على اختلاف أنواعها ، لا بذواتهم وكراماتهم ، ولا بتأثير خاص لهم عند الخالق يحملونه به على نفع من شاءوا أو ضر ما شاءوا أو كشف الضر عنه ، كما يعتقد عباد الأنبياء والأولياء من البشر إلى هذا اليوم ؛ ولهذا أمر الله تعالى رسوله أن يحتج على النصارى في عبادتهم للمسيح عليه السلام بقوله : ( قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ) ( 5 : 76 ) وهذه حجة على عبدة القبور وعلى أصحاب العمائم الذين يتأولون لهم عبادتهم بما يظنون أنه يبعدهم عن عباد الأصنام ، بقولهم إن هؤلاء الأولياء أحياء عند ربهم كالشهداء فهم يضرون وينفعون لا كالأصنام ، ولكن الله تعالى يقول للنصارى : إن المسيح لا يملك لهم ضرا ولا نفعا بعبادتهم له على ما آتاه من المعجزات ، وإن هؤلاء الدجالين من الشيوخ يؤمنون بأن المسيح أفضل من البدوي والحسين والسيدة زينب وغيرهم ممن يزعمون أنهم يملكون الضر والنفع لمن يطلبه منهم ، وحياته لا تزال في اعتقادهم حياة عنصرية وحياتهم برزخية ومعجزاته قطعية وكراماتهم غير قطعية .

كذلك أمر الله تعالى رسوله خاتم النبيين وأفضلهم أن يخبر الناس بنفي ملكه لضر الناس ونفعهم وهو حي كما يأتي في الآية ( 49 ) من هذه السورة . وسبق مثلها في سورة الأعراف ( 7 : 188 ) .

( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) أي يقولون في سبب عبادتهم لهم ، مع اعتقادهم أنهم لا يملكون الضر والنفع بأنفسهم لإيمانهم بأن الرب الخالق هو الله تعالى : هؤلاء شفعاؤنا عند الله فنحن نعبدهم بتعظيم هياكلهم وتطييبها بالعطر والطواف بها وبتقديم النذور لهم ، والإهلال عند ذبح القرابين بأسمائهم ، وبدعائهم والاستغاثة بهم ؛ لأنهم شفعاؤنا عند الله يقربوننا إليه زلفى فيدفع بجاههم عنا البلاء ، ويعطينا ما نطلب من النعماء ، هذا ما يقوله منكرو البعث منهم [ ص: 267 ] وهم الذين لا يرجون لقاء الله تعالى في الآخرة . على أنهم إذا فرضوا وجودها ، زعم مجرموهم أنهم يكونون فيها كما كانوا في الدنيا ، كما حكى الله تعالى عنهم بقوله : ( وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) ( 34 : 35 ) وقوله في الإنسان الكافر : ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) ( 41 : 50 ) وروي عن عكرمة أن النضر بن الحارث من كبار مجرميهم قال : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى . وكذلك كل من يؤمن بالآخرة ممن يعبدون غير الله ، يعتقدون أن معبوديهم يشفعون لهم فيها كما يشفعون لهم في الدنيا ، فإن أساس عقيدة الشرك أن جميع ما يطلبونه من الله لا بد أن يكون بوساطة المقربين عنده لأنهم لا يمكنهم القرب من الله والحظوة عنده بأنفسهم لأنهم مدنسة بالمعاصي ، بخلاف دين التوحيد ، فإنه يوجب على العاصي أن يتوجه إلى الله وحده تائبا إليه طالبا مغفرته ورحمته .

( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) أي قل لهم أيها الرسول منكرا عليهم جهالتهم وافتراءهم على ربهم : أتخبرون الله تعالى وتعلمونه بشيء لا يعلمه من أمر هؤلاء الشفعاء في السماوات من ملائكته ولا في الأرض من خواص خلقه ، فإنه لو كان فيهما شفعاء يشفعون لكم عنده لكان أعلم بهم منكم ؛ فإنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فكيف يخفى عليه من لهم من المكانة عنده أن جعلهم وسطاء بينه وبين خلقه في قضاء حاجهم من نفع وضر ، وفي تقريبهم إليه زلفى كالوسطاء عند ملوك البشر ، الجاهلين بأمور رعيتهم والعاجزين عن تنفيذ مشيئتهم فيهم بدون وساطة الوزراء والحجاب والقواد ، ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) أي تنزيها له وتعالى علوا كبيرا عما يشركون به من الشفعاء والوسطاء . وما يفترونه عليه بجعلهم هذا دينا يتقرب به إليه . فهذا تذييل للجواب مبين لما في هذا الشرك من إهانة مقام الربوبية والألوهية ، وتشبيه رب العالمين ، بعبيده من الملوك الجاهلين العاجزين ، وقرأ حمزة والكسائي ( تشركون ) بتاء الخطاب ، على أنه تتمة للجواب . وحكمة القراءتين تنزيهه تعالى عن شرك الجميع من غائب محكي عنه وحاضر مخاطب .

وفي هذا الجواب من أصول الدين أن شئون الرب وسائر ما في عالم الغيب توقيفي لا يعلم إلا بخبر الوحي ، ومنه اتخاذ الوسطاء عند الله مما ذكر وأنه عين الشرك . ولكن من علماء الأزهر من يثبتون هذه الوساطة بالرأي . ويحرفون ما ينقضها من الآيات المحكمات والأحاديث المتفق عليها كأنها هي الأصل ، حتى إنهم يبيحون دعاء الموتى واستغاثتهم عند قبورهم . ويحتجون على ذلك بأنهم أحياء فيهم ، وبأن الإفرنج أثبتوا وجود الأرواح وعلاقتها بالناس ، ولكن الذين قالوا بهذا من علمائهم وهم أقلهم ، لم يقولوا إنها تنفعهم وتضرهم ، أو تشفع عند الله لهم ، ولو قالوا هذا لما كان لنا أن نتخذ قولهم حجة نعارض بها نصوص ديننا أو نتأولها لتوافقها ، [ ص: 268 ] ولمشيخة الأزهر الرسمية مجلة تنشر باسمها هذه البدع والخرافات في جميع بلاد المسلمين ، وتطعن على المعتصمين بالسنة وسيرة السلف الصالحين وعلى المعتصمين بالقرآن أيضا وهو حبل الله المتين ، لزعمهم أن الواجب عليهم هو أخذ الدين كله عن كتب مقلدة الفقهاء والمتكلمين ، حتى المتأخرين منهم دون الأئمة المجتهدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث