الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) فيما تدرك به الجمعة وما يجوز الاستخلاف فيه وما يجوز للمزحوم وما يمتنع من ذلك ( من أدرك ركوع ) الركعة ( الثانية ) مع الإمام المتطهر المحسوب له إلا فيما يأتي واستمر معه إلى أن يسلم كما أفاده قوله : فيصلي بعد سلام الإمام وبهذا يندفع الاعتراض عليه بأن قول أصله أدرك مع الإمام ركعة أحسن [ ص: 481 ] على أن هذا فيه إيهام سلم منه المتن إذ قضيته الاكتفاء بإدراك الركوع والسجدتين فقط والمعتمد كما أفاده كلام الشيخين واعتمده الأذرعي وغيره ، وإن خالف فيه كثيرون وحملوا كلامهما على التمثيل دون التقييد

واستدلوا بنص الأم وغيره أنه لا بد من استمراره معه إلى السلام وإلا كأن فارق أو بطلت صلاة الإمام لم يدرك الجمعة وأيده الغزي بما يأتي في الخليفة أنه لو أدرك ركوع الثانية وسجدتيها لا يدرك الجمعة وهو استدلال محتمل ، وإن أمكن الفرق وكون الركعة تنتهي بالفراغ من السجدة الثانية إذ ما بعدها ليس منها كما هو واضح من كلامهم لا ينافي ذلك ؛ لأن الاحتياط للجمعة يقتضي اعتبار تابع الثانية منها فيها لامتيازها بخصوصيات عن غيرها كما علم مما مر ويأتي ( أدرك الجمعة ) حكما لا ثوابا كاملا ( فيصلي بعد سلام الإمام ركعة ) جهرا للخبر الصحيح { من أدرك ركعة من الجمعة فليصل أي بضم ففتح فتشديد إليها أخرى } وفي رواية صحيحة { من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة } وتحصل الجمعة أيضا بإدراك ركعة أولى معه ، وإن فارقه بعدها لما مر أن الجماعة لا تجب إلا في الركعة الأولى وبإدراك ركعة معه ، وإن لم تكن أولى الإمام ولا ثانيته بأن قام لزائدة ، ولو عامدا كما بينته في شرح الإرشاد في مبحث القدوة فقول أصل الروضة سهوا تصوير بدليل أنه قاسه على المحدث وهو تصح الصلاة خلفه ، وإن علم حدث نفسه فجاء جاهل بحاله واقتدى به وأدرك الفاتحة ، ثم استمر معه إلى أن يسلم ؛ لأنه أدرك مع الإمام ركعة قبل سلام الإمام فهو كمصل أدرك صلاة أصلية جمعة أو غيرها خلف محدث ويؤخذ منه أنه لا بد هنا من زيادة الإمام على الأربعين وفي هذه الأحوال كلها لو أراد آخر أن يقتدي به في ركعته الثانية ليدرك الجمعة جاز كما في البيان عن أبي حامد وجرى عليه الريمي وابن كبن وغيرهما [ ص: 482 ] قال بعضهم وعليه لو أحرم خلف الثاني عند قيامه لثانيته آخر وخلف الثالث آخر وهكذا حصلت الجمعة للكل

ونازع بعضهم أولئك بأن الذي اقتضاه كلام الشيخين وصرح به غيرهما أنه لا يجوز الاقتداء بالمسبوق المذكور . ا هـ . وفيه نظر وليس هنا فوات العدد في الثانية وإلا لم تصح للمسبوق نفسه بل العدد موجود حكما ؛ لأن صلاته كمن اقتدى به وهكذا تابعة للأولى ( وإن أدركه بعده ) أي الركوع ( فاتته ) الجمعة لمفهوم هذا الخبر ( فيتم ) صلاته عالما كان أو جاهلا ( بعد سلامه ) أي الإمام ( ظهرا أربعا ) من غير نية لفوات الجمعة وأكد بأربعا ؛ لأن الجمعة قد تسمى ظهرا مقصورة

( والأصح أنه ) أي المدرك بعد الركوع [ ص: 483 ] ( ينوي ) وجوبا على المعتمد ( في اقتدائه الجمعة ) موافقة للإمام ولأن اليأس لا يحصل إلا بالسلام إذ قد يتذكر الإمام ترك ركن فيأتي بركعة ويعلم المأموم ذلك فيدرك معه الجمعة وإنما قلنا ويعلم إلى آخره لقولهم لا تجوز متابعة الإمام في فعل السهو ولا في القيام لخامسة ، ولو بالنسبة للمسبوق حملا على أنه سها بركن ومر الفرق بين اليأس هنا وفي المعذور ( وإذا خرج الإمام من الجمعة أو غيرها ) بأن أخرج نفسه عن الإمامة بنحو تأخره [ ص: 484 ] أو خرج عن الصلاة ( بحدث أو غيره ) كرعاف كثير أو بلا سبب أصلا ( جاز الاستخلاف ) للإمام ولهم وهو أولى ولبعضهم ( في الأظهر ) لأن الصلاة بإمامين على التعاقب جائزة كما صح من فعل أبي بكر ، ثم النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه قالوا وإذا جاز هذا فيمن لم تبطل صلاته ففي من بطلت بالأولى لضرورته إلى الخروج منها واحتياجهم إلى إمام ومن فعل عمر لما طعن ، ثم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما

ويجوز أن يتقدم واحد بنفسه ، وإن فوت على نفسه الجمعة ؛ لأن التقدم مطلوب في الجملة فعذر به كذا قيل والأوجه كما بينته في شرح العباب أنه لا يجوز له ذلك بل ، وإن قدمه الإمام ؛ لأن الظاهر أن محل الخلاف في وجوب امتثاله إذا لم يترتب عليه فوات الجمعة ، ولو تركه الإمام ولم يتقدم أحد في الجمعة لزمهم في أولاها فقط لما مر من اشتراط الجماعة فيها دون الثانية فلو أتم الرجال حينئذ منفردين وقدم النسوة امرأة منهن جاز كما يفهمه تعبير الروضة بصلاحية المقدم لإمامة القوم أي الذين يقتدون به ، وإن لم يصلح لإمامة الجمعة إذ لو ائتممن فرادى جاز فالجماعة أولى ، ولو قدم الإمام أو المأمومون قبل فراغ الأولى واحدا لم يلزمه التقدم على ما بحثه ابن الأستاذ وله احتمال باللزوم لئلا يؤدي إلى التواكل وهو متجه ولا عبرة بتقديمه لمن لا تصح إمامته لهم كامرأة فلا تبطل صلاتهم إلا إن اقتدوا بها وإنما يجوز الاستخلاف أو التقدم [ ص: 485 ] قبل أن ينفردوا بركن ، ولو قوليا على ما اقتضاه إطلاقهم وإلا امتنع في الجمعة مطلقا وفي غيرها بغير تجديد نية اقتداء به ، ولو فعله بعضهم ففي غيرها يحتاج من فعله لنية دون من لم يفعله وفيها إن كان غير الفاعلين أربعين بقيت وإلا بطلت كما هو ظاهر وأفهم ترتيبه الاستخلاف على خروجه أنه لا يجوز له الاستخلاف قبل الخروج وبه صرح الشيخان في باب صلاة المسافر نقلا عن المحاملي وغيره والمراد كما هو ظاهر أنه ما دام إماما لا يجوز ولا يصح استخلافه لغيره بخلاف ما إذا أخرج نفسه من الإمامة فإنه يجوز استخلافه ، وإن لم يكن له عذر لقولهم السابق آنفا وإذا جاز هذا إلى آخره

وقول أبي محمد متى حضر إمام أكمل جاز استخلافه مراده إن أخرج نفسه عن الإمامة وحينئذ لا يتقيد بالأكمل

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل فيما تدرك به الجمعة ) .

[ ص: 481 ] قوله : والمعتمد كما أفاده كلام الشيخين إلخ ) المعتمد عند شيخنا الشهاب الرملي رحمه الله وغيره وفاقا للمنصوص خلاف هذا المعتمد وهو ظاهر الأخبار وظاهر المعنى وعليه فالمعتمد فيما أيد به الغزي خلاف ما ذكره فيه وفاقا لما سيأتي عن البغوي ( قوله : واستدلوا بنص الأم وغيره ) أي ويدل عليه الحديث الآتي أيضا ( قوله : فليصل ) يمكن أنه ضمن معنى الإضافة حتى تعدى بإلى أي مضيفا إليها أخرى ( قوله : وإن علم حدث نفسه فجاء جاهل بحاله إلخ ) أي فلا بد هنا من إدراك الركعة معه بقراءتها ومن عدم علمه بزيادتها فقوله : ثم استمر معه إلى أن يسلم لعله مبني على ما تقدم له

( قوله : أنه لا بد هنا ) كأن الإشارة إلى ما إذا كان عامدا في الزائدة ( قوله : جاز كما في البيان إلخ ) إن قلت يشكل على الجواز هنا ما يأتي في صلاة [ ص: 482 ] الخوف قبيل قول المتن ويسن حمل السلاح في هذه الأنواع من أنه لو كان الخوف في بلد وحضرت صلاة الجمعة جاز أن يصلوها على هيئة صلاة ذات الرقاع بشروط منها أن يكون في كل ركعة أربعون سمعوا الخطبة لكن لا يضر النقص في الركعة الثانية . ا هـ . وجه الإشكال أن بين ما هنا وما هناك منافاة لأن قضية الجواز هنا أنه لا يشترط هناك أن يكون في الركعة الثانية أربعون سمعوا الخطبة بل يجوز أن يكون أقل ، ولو واحدا ، وإن لم يسمع الخطبة ولا حاجة إلى اغتفار النقص عن الأربعين في الثانية وقضية ما هناك أنه لا بد هنا في المقتدي الآخر أن يكون بعضا من أربعين سمعوا الخطبة حتى لو لم يكن كذلك لا يصح اقتداؤه بالجمعة ولا يمكن حمل ما هناك على ما هنا ؛ لأن اغتفار النقص عن الأربعين صادق بكون المقتدي واحدا مثلا ؛ لأنهم اشترطوا أن يكون المقتدي في الثانية أربعين سمعوا الخطبة غاية الأمر أنه يغتفر نقصهم بعد الاقتداء وما هنا كالصريح في أنه لا يشترط السماع ولا ما هنا على ما هناك لما ذكر من أن ما هنا كالصريح في أنه لا يشترط السماع مع التصريح هناك باشتراطه اللهم إلا أن يتكلف في إخراج ما هنا عن ظاهره وحمله على اعتبار السماع المذكور فليتأمل قلت قوله : إنه لا يجوز الاقتداء بالمسبوق المذكور

وقد يؤيد الجواز أنه لو فارق القوم الإمام في الركعة الثانية فاقتدى مسبوق بالإمام أو بعض القوم فيها ، فإن لم يجز ذلك كان بعيدا جدا إذ لا فرق في المعنى بين ذلك وبين الاقتداء في الثانية دون مفارقة ، وإن جاز ذلك فلا فرق بين ذلك وبين اقتداء المسبوق المذكور إلا بكونه بعد سلام من عدا من اقتدى به ولا أثر لذلك في المعنى فليتأمل وقد يدفع ذلك بأن شرط أول الجمعة وقوعها في جماعة أربعين وقد يقتضي هذا المنع في الصورة المؤيد بها أيضا فليحرر ( قوله : ؛ لأن الجمعة قد تسمى [ ص: 483 ] إلخ ) قد يرد أن توهم ذلك لا يتأتى مع قوله فاتته الجمعة ( قوله : وجوبا على المعتمد ) وفي الأنوار جوازا وفي الروض ندبا وجمع شيخنا الشهاب الرملي بين الأولين بحمل الجواز على ما إذا كانت الجمعة مستحبة أو غير واجبة عليه كالمسافر والعبد والوجوب على ما إذا كانت لازمة له فإحرامه بها واجب وهو محمل قول الروضة في أواخر الباب الثاني من أن من لا عذر له لا يصح ظهره قبل سلام الإمام ا هـ ، ولو أدرك هذا المسبوق بعد صلاة الظهر جماعة يصلون الجمعة لزمه أن يصليها معهم شرح م ر

( قوله : موافقة للإمام ولأن اليأس إلخ ) قضية العلة الأولى التي اقتصر عليها الشيخان دون الثانية أنه ينوي في اقتدائه الجمعة ، وإن علم ضيق الوقت بحيث لو فرض أن الإمام تذكر ترك ركن فأتى بركعة وعلم هو ذلك وأدركها معه لا يمكنه الإتيان بالباقية فيه ( قوله : فيدرك معه الجمعة ) أي ، وإن امتنع على القوم متابعته في تلك الركعة لعلمهم بتمام صلاتهم وذلك ؛ لأنه أدرك ركعة من الجمعة في الجماعة مع وجود العدد في تلك الركعة ؛ لأن القوم باقون في القدوة حكما كما هو ظاهر خلافا لما توهمه طلبة من انتفاء العدد فتدبر ، نعم لو سلم القوم قبل فراغ الركعة اتجه فوات الجمعة عليه ؛ لأنه لم يدرك ركعته الأولى منها مع وجود العدد المعتبر إلا على ما تقدم عن البيان عن أبي حامد فيحتمل حصول الجمعة لاقتدائه في هذه الركعة بالإمام المتخلف عن سلام القوم فهو كالمقتدي بالمسبوق

( قوله : بأن أخرج نفسه عن الإمامة إلخ ) فيه حمل الخروج من إمامتها والخروج منها نفسها زيادة للفائدة ، وإن كان المتبادر الثاني ( قوله : بنحو تأخره ) هذا قد يشمل مجرد نية الخروج منها إن قلنا يخرج بها حتى لو تقدم واحد [ ص: 484 ] بنفسه أو إشارته أو إشارة القوم عند مجرد النية صار خليفة وفيه نظر بل الوجه بقاء اقتدائهم به ونية الخروج من الإمامة بمجردها لا يزيد على ترك الإمامة ابتداء ، فليتأمل .

( قوله في المتن : بحدث أو غيره ) يدخل في الغير تمام صلاة الإمام أخذا من قولهم واللفظ للروض وشرحه ، ولو أراد المسبوقون أو من صلاته أطول من صلاة الإمام أن يستخلفوا من يتم بهم لم يجز إلا في غير الجمعة ا هـ .

( قوله : ويجوز أن يتقدم واحد بنفسه ، وإن فوت على نفسه ) أي بأن لم يدرك الأولى على ما يأتي ( قوله : لأن الظاهر أن محل الخلاف ) لعله الآتي عن ابن الأستاذ ( قوله : لزمهم في أولاها ) لو انقسموا فرقتين حينئذ وكل فرقة استخلفت واحدا فينبغي الامتناع لأن فيه تعدد الجمعة ، فليتأمل .

( قوله : وقدم النسوة ) أي في الجمعة كما هو قضية هذا السياق ( قوله : وله احتمال باللزوم ) هو الوجه حيث ظن التواكل أو شك م ر لا يقال ترجيح هذا الاحتمال ينافي قوله السابق والأوجه كما بينته في شرح العباب إلخ ؛ لأنا نقول : الاستخلاف في الركعة الأولى لا يستلزم تفويت الجمعة على الخليفة كما يعلم مما سيأتي في قوله ، ثم إن كان أدرك الأولى تمت جمعتهم .

( قوله : وهو متجه ) هو الأوجه حيث [ ص: 485 ] غلب على ظنه التواكل م ر ( قوله : وإلا ) أي بأن انفردوا بركن ( قوله : ولو فعله بعضهم ) بأن انفرد بركن قبل الاستخلاف ( قوله : وإلا بطلت ) محله كما هو ظاهر إن كان الانفراد في الركعة الأولى ، فإن كان في الثانية بقيت الجمعة ولهذا قال في الأنوار ما نصه الثاني أي من شروط الاستخلاف أن يقدم على قرب ، فإن قضوا ركنا على الانفراد امتنع التقديم والمتابعة ، ولو كان هذا في الركعة الأولى من الجمعة بطلت انتهى أي بطلت بالانفراد بالركن ومفهوم ذلك عدم البطلان بذلك الانفراد في الركعة الأولى مطلقا ، وأما جواز اقتدائهم بعد ذلك الانفراد فيها أي الثانية فيحتمل أن يجري فيه ما قالوه في المسبوقين وقد قالوا ليس للمسبوقين في الجمعة أن يستخلفوا من يتم بهم وعللوه بأنه كإنشاء جمعة بعد أخرى قاله في شرح الروض وكأنهم أرادوا بالإنشاء ما يعم الحقيقي والمجازي إذ ليس فيما إذا كان الخليفة منهم إنشاء جمعة وإنما فيه ما يشبهه صورة على أن بعضهم قال بالجواز في هذه لذلك ا هـ

فيقال فيما نحن فيه إذا قدموا واحدا منهم امتنع إلا على قول البعض المذكور وعليه ينبغي وجوب نية الاقتداء ؛ لأن الانفراد بالركن قطع حكم الاقتداء السابق وحينئذ لا يلزم الخليفة مراعاة نظم الإمام فليتأمل ، ويحتمل أنه يفرق بأن الانفراد صير الاقتداء جديدا وبما تقرر يظهر صحة شمول قوله وإلا امتنع في الجمعة مطلقا لما إذا وقع ذلك في الركعة الأولى أي لبطلان صلاتهم حينئذ وكذا لما إذا وقع في الثانية إلا على قول البعض المذكور في تلك الصورة على ما تقدم وأما قوله : وإلا بطلت فهو خاص بما إذا وقع ذلك في الأولى ، بخلاف ما إذا وقع في الثانية لكن يمتنع الاستخلاف إلا على ذلك القول في تلك الصورة على نظر في جريانه هنا في الموضعين فليتأمل ، فإن الوجه عدم جريانه

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث