الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر

جزء التالي صفحة
السابق

أياما معدودات [ 184 ]

قال الأخفش : " أياما " نصب بالصيام ، أي كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات . وقال الفراء : هي نصب بكتب ؛ لأن فعل ما لم يسم فاعله إذا رفعت بعده اسما نصبت الآخر . وفي الآية شيء لطيف غامض من النحو : يقال : لا يجيز النحويون : " هذا صارف ظريف زيدا " ، وكيف يجوز أن تنصب " أياما " بالصيام إذا كانت الكاف نعتا للصيام ؟ فالجواب أنك إذا جعلت أياما مفعولة لم يجز هذا ، وإن جعلتها ظرفا جاز لأن الظروف تعمل فيها المعاني . وزعم أحمد بن يحيى أن ذلك لا يجوز البتة ، وإن جعلت الكاف في موضع نصب بكتب لم يجز لأنك تفرق بين الصيام وبين ما [ ص: 285 ] عمل فيه بما لم يعمل فيه وإن جعلت الكاف في موضع نصب بالصيام ونصبت أياما بالصيام فلا اختلاف فيه إنه جيد بالغ .

معدودات نعت لأيام ، إلا أن التاء كسرت عند البصريين لأنه جمع مسلم ، وعند الكوفيين لأنها غير أصلية . فمن كان منكم مريضا شرط بمن أي فمن كان منكم مريضا في هذه الأيام فعدة رفع بالابتداء ، والخبر " عليه " حذفت . قال الكسائي : ويجوز : فعدة ؛ أي فليصم عدة من أيام أخر لم تنصرف أخر عند سيبويه لأنها معدولة عن الألف واللام لأن سبيل فعل من هذا الباب أن يأتي بالألف واللام نحو الكبر والفضل . قال الكسائي : هي معدولة أخر كما تقول : حمراء وحمر ، فلذلك لم تنصرف . وقيل : منعت من الصرف لأنها على وزن جمع . ويقال : إنما يقال : يوم آخر ، ولا يقال : أخرى ، وأخر إنما هي جمع أخرى ؛ ففي هذا جوابان : أحدهما أن نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر . والجواب الآخر : أن يكون أخر جمع أخرى كأنه " أيام أخرى " ثم كثرت فقيل : " أيام أخر " .

وعلى الذين يطيقونه والأصل يطوقونه ، وقد قرئ به فقلبت حركة الواو على الطاء فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . وقرأ ابن عباس : ( يطوقونه ) فصحت الواو لأنه ليس قبلها كسرة . ويقرأ : ( يطوقونه ) والأصل ( يتطوقونه ) ثم أدغمت التاء في الطاء . والقراءة المجمع عليها : ( يطيقونه ) وأصح ما فيها أن الآية منسوخة كما [ ص: 286 ] ذكرناه . فأما " يطيقونه " ، و " تطيقونه " فلا يجوز لأن الواو لا تقلب ياء إلا لعلة . ( فدية طعام مساكين ) هذه قراءة أهل المدينة ، وابن عامر ، رواها عنه عبيد الله ، عن نافع . وقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، وحمزة : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) وهذا اختيار أبي عبيد وزعم أنه اختاره لأن معناه لكل يوم إطعام واحد منهم فالواحد مترجم عن الجميع وليس الجميع بمترجم عن الواحد . قال أبو جعفر : وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنما يعرف بالدلالة فقد علم أن معنى " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين " أن لكل يوم مسكينا ، فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع . واختار أبو عبيد أن يقرأ : " فدية طعام مسكين " قال : لأن الطعام هو الفدية . قال أبو جعفر : لا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ، ولكنه يجوز على البدل ، وأبين منه أن يقرأ : ( فدية طعام ) بالإضافة لأن " فدية " مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك : هذا ثوب خز . فمن تطوع خيرا فهو خير له شرط ، وجوابه : وأن تصوموا خير لكم ابتداء وخبر أي فالصوم خير لكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث