الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه عطف على الكلام السابق ، عطف غرض على غرض ; تخلصا إلى أعمدة من شريعة الإسلام بمناسبة الفذلكة المتقدمة ; تنبيها على أن إصلاح الأعمال متفرع على نبذ الشرك كما قال تعالى فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا .

وقد ابتدئ تشريع للمسلمين أحكاما عظيمة لإصلاح جامعتهم وبناء أركانها ; ليزدادوا يقينا بارتفاعهم على أهل الشرك وبانحطاط هؤلاء عنهم ، وفي جميعها تعريض بالمشركين الذين كانوا منغمسين في المنهيات ، وهذه الآيات أول تفصيل للشريعة للمسلمين وقع بمكة ، وأن ما ذكر في هذه الآيات مقصود به تعليم المسلمين ، ولذلك اختلف أسلوبه عن أسلوب نظيره في سورة الأنعام الذي وجه فيه الخطاب إلى المشركين لتوقيفهم على قواعد ضلالتهم .

فمن الاختلاف بين الأسلوبين أن هذه الآية افتتحت بفعل القضاء المقتضي الإلزام ، وهو مناسب لخطاب أمة تمتثل أمر ربها ، وافتتح خطاب سورة الأنعام ب تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم كما تقدم هنالك .

ومنها أن هذه الآية جعلت المقضي هو توحيد الله بالعبادة ; لأنه المناسب لحال المسلمين فحذرهم من عبادة غير الله ، وآية الأنعام جعلت المحرم فيها [ ص: 66 ] هو الإشراك بالله في الإلهية المناسب لما كانوا عليه من الشرك إذ لا عبادة لهم .

وأن هذه الآية فصل فيها حكم البر بالوالدين ، وحكم القتل ، وحكم الإنفاق ، ولم يفصل ما في الآية الأنعام .

وكان ما ذكر في هذه الآيات خمسة عشر تشريعا هي أصول التشريع الراجع إلى نظام المجتمع .

وأحسب أن هذه الآيات اشتهرت بين الناس في مكة ، وتناقلها العرب في الآفاق ، فلذلك ألم الأعشى ببعضها في قصيدته المروية التي أعدها لمدح النبيء صلى الله عليه وسلم حين جاء يريد الإيمان فصدته قريش عن ذلك ، وهي القصيدة الدالية التي يقول فيها :


أجدك لم تسمع وصاة محمد نبيء الإله حين أوصى وأشهدا     فإياك والميتات لا تأكلنها
ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا     وذا النصب المنصوب لا تنسكنه
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا     وذا الرحم القربى فلا تقطعنه
لفاقته ولا الأسير المقيدا     ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة
ولا تحسبن المال للمرء مخلدا     ولا تقربن جارة إن سرها
عليك حرام فانكحن أو تأبدا

وافتتحت هذه الأحكام والوصايا بفعل القضاء ; اهتماما به ، وأنه مما أمر الله به أمرا جازما وحكما لازما ، وليس هو بمعنى التقدير كقوله وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لظهور أن المذكورات هنا مما يقع ولا يقع .

و ( أن ) يجوز أن تكون تفسيرية لما في قضى من معنى القول ، ويجوز أن تكون مصدرية مجرورة بباء جر مقدرة ، أي قضى بأن لا تعبدوا ، وابتدئ هذا [ ص: 67 ] التشريع بذكر أصل التشريعة كلها ، وهو توحيد الله ، فذلك تمهيد لما سيذكر بعده من الأحكام .

وجيء بخطاب الجماعة في قوله ألا تعبدوا إلا إياه ; لأن النهي يتعلق بجميع الناس ، وهو تعريض بالمشركين .

والخطاب في قوله ربك للنبيء صلى الله عليه وسلم كالذي في قوله قبل من عطاء ربك ، والقرينة ظاهرة ، ويجوز أن يكون لغير معين ; فيعم الأمة ، والمآل واحد .

وابتدئ التشريع بالنهي عن عبادة غير الله ; لأن ذلك هو أصل الإصلاح ; لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل ، إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذا كان صالحا ، وفي الحديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ، وقد فصلت ذلك في كتابي المسمى أصول النظام الاجتماعي في الإسلام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث