الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
[ ص: 176 ] حديث ثالث من بلاغات مالك عن الثقة عنده

مالك عن الثقة عنده ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع العربان .

التالي السابق


هكذا قال يحيى : عن مالك عن الثقة عنده ، في هذا الحديث ، عن عمرو بن شعيب وتابعه قوم ، منهم : ابن عبد الحكم .

وقال القعنبي ( والتنيسي ) وجماعة ، عن مالك أنه بلغه ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، وسواء قال عن الثقة عنده ، أو بلغه ; لأنه كان لا يأخذ ، ولا يحدث إلا عن ثقة عنده ، وقد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع ، وأشبه ما قيل فيه : أنه أخذه عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة ; لأن ابن لهيعة سمعه عن عمرو بن شعيب ورواه عنه ، حدث به ، عن ابن لهيعة بن وهب وغيره وابن لهيعة أحد العلماء ، إلا أنه يقال إنه احترقت كتبه ، فكان إذا حدث بعد ذلك من حفظه غلط ، وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند بعضهم صحيح [ ص: 177 ] ومنهم من يضعف حديثه كله ، وكان عنده ، وكان كثير الحديث ، إلا أن حاله عندهم ما وصفنا .

حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو محمد بكر بن عبد الرحمن الخلال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع العربان .

هكذا قال : عن عبد الله بن وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيعة والمعروف فيه ابن وهب عن ابن لهيعة .

وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي حدثنا محمد بن يوسف الهروي حدثنا إسماعيل بن محمد بن يوسف الجبيري حدثنا حبيب بن أبي حبيب حدثنا مالك بن أنس قال : ليس الحديث على هذا ، إنما الحديث على حديث عبد الله بن عامر عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع العربان .

والإسناد الأول أشبه ; لأن حبيبا هذا ضعيف ، له عن مالك خطأ كثير ومناكير .

وجدت في أصل سماع أبي بخطه - رحمه الله - أن محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان قال : حدثنا نصر بن مرزوق قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا ابن لهيعة قال : حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى ، عن بيع العربان .

وهذا الحديث أكثر ما يعرف من حديث ابن لهيعة [ ص: 178 ] وقد جاء عن زيد بن أسلم مرسلا ، وقد روي من حديث الحارث بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن حيون قال : حدثني محمد بن موسى الأثط بطرسوس ، قال : حدثنا أبو موسى إسحاق بن موسى الأنصاري قال : حدثنا عاصم بن عبد العزيز قال : حدثنا الحارث يعني ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ، عن بيع العربان .

وقال مالك في موطئه بإثر ذكره لهذا الحديث قال : مالك وذلك في ما نرى - والله أعلم - أن يشتري الرجل العبد ، أو الوليدة ، أو يتكارى الدابة ، ثم يقول للذي اشتراه منه ، أو تكارى منه : أعطيك دينارا ، أو درهما ، أو أكثر من ذلك ، أو أقل على أني إن أخذت السلعة ، أو ركبت ما تكاريت منك ، فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة ، أو من كراء الدابة ، وإن تركت ابتياع السلعة ، أو كراء الدابة ، فما أعطيتك لك باطل بغير شيء .

قال أبو عمر :

على قول مالك هذا جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين ، منهم الشافعي والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث [ ص: 179 ] لأنه من بيع القمار ، والغرر ، والمخاطرة ، وأكل المال بغير عوض ، ولا هبة وذلك باطل ، وبيع العربان منسوخ عندهم إذا وقع قبل القبض وبعده ، وترد السلعة إذا كانت قائمة ، فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها ، وعلى كل حال يرد ما أخذ عربانا ، في الكراء والبيع .

وقد روي عن قوم ، منهم ابن سيرين ومجاهد ونافع بن عبد الحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا جائز عندنا ، وكان زيد بن أسلم يقول : أجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال أبو عمر :

، وهذا لا يعرف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه يصح ، وإنما ذكره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا ، وهذا ، ومثله ليس بحجة ، ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه ، وذلك أن يعربنه ، ثم يحسب عربانه من ثمنه إذا اختار تمام البيع ، وهذا لا خلاف في جوازه ، عن مالك وغيره ، والحمد لله .




الخدمات العلمية