الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

كتاب المساقاة والمزارعة [ ص: 326 ] عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع } رواه الجماعة وعنه أيضا { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر سألته اليهود أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها ولهم نصف الثمرة ، فقال لهم : نقركم بها على ذلك ما شئنا } متفق عليه )

التالي السابق


( وهو حجة في أنها عقد جائز وللبخاري : { أعطى يهود خيبر أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها } ولمسلم وأبي داود والنسائي : { دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها } قلت : وظاهر هذا أن البذر منهم وأن تسمية نصيب العامل تغني عن تسمية نصيب رب المال ويكون الباقي له ) .

2354 - ( وعن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر على أن نخرجهم متى شئنا } رواه أحمد والبخاري بمعناه )

2355 - ( وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم { دفع خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف } رواه أحمد وابن ماجه )

2356 - ( وعن أبي هريرة قال { : قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم : اقسم بيننا وبين إخواننا النخل ، قال : لا ، فقالوا : تكفونا العمل ونشرككم في الثمرة ، فقالوا : سمعنا وأطعنا } رواه البخاري )

2357 - ( وعن طاووس { أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا } رواه ابن ماجه قال البخاري ، وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال : ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع ، وزارع علي عليه السلام وسعد بن مالك وابن مسعود [ ص: 327 ] وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر ، وآل علي ، وآل عمر قال : وعامل عمر الناس على : إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ) حديث ابن عباس رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن ثوبة وهو صدوق ، وبقية رجاله رجال الصحيح وحديث معاذ رجال إسناده رجال الصحيح ، ولكن طاووس لم يسمع من معاذ وفيه نكارة ; لأن معاذا مات في خلافة عمر ولم يدرك أيام عثمان

قوله : ( كتاب المساقاة والمزارعة ) المساقاة : ما كان في النخل والكرم وجميع الشجر الذي يثمر بجزء معلوم من الثمرة للأجير ، وإليه ذهب الجمهور وخصها الشافعي في قوله الجديد بالنخل والكرم وخصها داود بالنخل وقال مالك : تجوز في الزرع والشجر ولا تجوز في البقول عند الجميع

وروي عن ابن دينار أنه أجازها فيها والحاصل أن من قال : إنها واردة على خلاف القياس قصرها على مورد النص ومن قال إنها واردة على القياس ألحق بالمنصوص غيره والمزارعة مفاعلة من الزراعة قاله المطرزي وقال صاحب الإقليد : من الزرع

والمخابرة مشتقة من الخبير على وزن العليم : وهو الأكار بهمزة مفتوحة وكاف مشددة وراء مهملة : وهو الزراع ، والفلاح : الحراث ، وإلى هذا الاشتقاق ذهب أبو عبيد والأكثرون من أهل اللغة والفقهاء ، وقال آخرون : هي مشتقة من الخبار بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الباء الموحدة : وهي الأرض الرخوة وقيل : من الخبر بضم الخاء : وهو النصيب من سمك أو لحم ، وقال ابن الأعرابي : هي مشتقة من خيبر لأن أول هذه المعاملة فيها وفسر أصحاب الشافعي المخابرة بأنها العمل على الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل وقيل : إن المساقاة والمزارعة والمخابرة بمعنى واحد ، وإلى ذلك يشير كلام الشافعي فإنه في الأم في باب المزارعة : وإذا دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يزرعها المدفوع إليه فما خرج منها من شيء فله منه جزء من الأجزاء ، فهذه المحاقلة والمخابرة التي ينهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ا هـ ، وإلى نحو ذلك يشير كلام البخاري وهو وجه للشافعية . وقال في القاموس : المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها وقال : المخابرة أن يزرع على النصف ونحوه ا هـ قوله : ( بشطر ما يخرج ) فيه جواز بالجزء المعلوم من نصف أو ربع أو ثمن أو نحوها ، والشطر هنا بمعنى النصف ، وقد يأتي بمعنى النحو والقصد ومنه قوله تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي : نحوه قوله : ( نقركم بها على ذلك ما شئنا ) المراد أنا نمكنكم من المقام إلى أن نشاء إخراجكم ، لأنه صلى الله عليه وسلم [ ص: 328 ] كان عازما على إخراجهم من جزيرة العرب كما أمر بذلك عند موته . واستدل به على جواز المساقاة مدة مجهولة ، وبه قال أهل الظاهر وخالفهم الجمهور ، وتأولوا الحديث بأن المراد مدة العهد وأن لنا إخراجكم بعد انقضائها ولا يخفى بعده وقيل : إن ذلك كان في أول الأمر خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا يحتاج إلى دليل . قوله : ( ما بالمدينة أهل بيت هجرة . . . إلخ ) هذا الأثر أورده البخاري ووصله عبد الرزاق

قوله : ( و زارع علي عليه السلام . . . إلخ ) أما أثر علي عليه السلام فوصله ابن أبي شيبة وأما أثر ابن مسعود وسعد بن مالك فوصلهما ابن أبي شيبة أما أثر عمر بن عبد العزيز فوصله ابن أبي شيبة أيضا ، وأما أثر القاسم وهو محمد بن أبي بكر فوصله عبد الرزاق وأما أثر عروة وهو ابن الزبير فوصله ابن أبي شيبة

وأما أثر آل أبي بكر وآل علي وآل عمر فوصله ابن أبي شيبة أيضا وعبد الرزاق وأما أثر عمر في معاملة الناس فوصله ابن أبي شيبة أيضا والبيهقي وقد ساق البخاري في صحيحه عن السلف غير هذه الآثار ، ولعله أراد بذكرها الإشارة إلى أن الصحابة لم ينقل عنهم الخلاف في الجواز خصوصا أهلالمدينة وقد تمسك بالأحاديث المذكورة في الباب جماعة من السلف

قال الحازمي : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وابن شهاب الزهري ، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن ، فقالوا : تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع ، قالوا : ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعتين ، فتساقيه على النخل ، وتزارعه على الأرض كما جرى في خيبر ، ويجوز العقد على كل واحدة منهما منفردة وأجابوا عن الأحاديث القاضية بالنهي عن المزارعة بأنها محمولة على التنزيه وقيل : إنها محمولة على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها معينة وقال طاووس وطائفة قليلة : لا يجوز كراء الأرض مطلقا لا بجزء من الثمر والطعام ولا بذهب ولا بفضة ولا بغير ذلك ، وذهب إليه ابن حزم وقواه واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك وستأتي

وقال الشافعي وأبو حنيفة والعترة وكثيرون : إنه يجوز كراء الأرض بكل ما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات من الذهب والفضة والعروض وبالطعام سواء كان من جنس ما يزرع في الأرض أو غيره لا بجزء من الخارج منها وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة ، ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه ، وتمسكوا بما سيأتي من النهي عن المزارعة بجزء من الخارج ، وأجابوا عن أحاديث الباب بأن خيبر فتحت عنوة ، فكان أهلها عبيدا له صلى الله عليه وسلم ، فما أخذه من الخارج منها فهو له وما تركه فهو له

وروى الحازمي هذا المذهب عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ورافع بن خديج [ ص: 329 ] وأسيد بن حضير وأبي هريرة ونافع ، قال : وإليه ذهب مالك والشافعي ، ومن الكوفيين أبو حنيفة ا هـ وقال مالك : إنه يجوز كراء الأرض بغير الطعام والثمر لا بهما لئلا يصير من بيع الطعام بالطعام ، وحمل النهي على ذلك ، هكذا حكى عنه صاحب الفتح قال ابن المنذر : ينبغي أن يحمل ما قاله مالك على ما إذا كان المكرى به من الطعام جزءا مما يخرج منها فأما إذا اكتراها بطعام معلوم في ذمة المكتري أو بطعام حاضر يقضيه المالك فلا مانع من الجواز وقال أحمد بن حنبل : يجوز إجارة الأرض بجزء من الخارج منها إذا كان البذر من رب الأرض ، حكى ذلك عنه الحازمي واعلم أنه قد وقع لجماعة لا سيما من المتأخرين اختباط في نقل المذاهب في هذه المسألة حتى أفضى ذلك أن بعضهم يروي عن العالم الواحد الأمرين المتناقضين ، وبعضهم يروي قولا لعالم ، وآخر يروي عنه نقيضه ، ولا جرم فالمسألة باعتبار اختلاف المذاهب فيها وتعيين راجحها من مرجوحها من المعضلات وقد جمعت فيها رسالة مستقلة وسيأتي تحقيق ما هو الحق وتفصيل بعض المذاهب والإشارة إلى حجة كل طائفة ودفعها



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث