الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

[ زواجه بخديجة ] أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، زوجه إياها أبوها قبل البعثة - خويلد بن أسد ، ويقال أخوها عمرو بن خويلد ، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة فولدت له القاسم ، وبه كان يكنى ، والطيب ، والطاهر ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة .

قلت : وهي أم أولاده كلهم سوى إبراهيم فمن مارية ، وقال الزبير بن بكار -رحمه الله تعالى- : كانت خديجة -رضي الله تعالى عنها- قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي ، فولدت له جارية اسمها هند ، ثم خلف عليها أبو هالة مالك بن نباش بن زرارة بن واقد بن حبيب بن سلامة بن عدي بن أسد بن عمرو بن تميم ، حليف بني عبد الدار بن قصي ، فولدت له هند وهالة ، فهما أخوا ولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رواه الطبراني والأكثر ، تقدم أبي هالة على عتيق . وأما عن كيفية زواجه -صلى الله عليه وسلم- إياها :

روى الإمام أحمد برجال الصحيح عن ابن عباس ، والبزار والطبراني برجال ثقات أكثرهم رجال الصحيح عن جابر بن سمرة أو رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والبزار والطبراني بسند ضعيف (عن عمار بن ياسر ، والبزار والطبراني بسند ضعيف) عن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهم- قال جابر أو الرجل المبهم : إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يرعى غنما فاستعلى الغنم ، فكان يرعى الإبل هو وشريك له ، فأكريا أخت خديجة ، فلما قضوا السفر بقي لهما عليها شيء ، فجعل شريكه يأتيها ، فيتقاضيا ، ويقول لمحمد : انطلق ، فيقول : اذهب أنت ، فإني أستحي . فقالت مرة وأتاهم شريكه ، فقالت : أين محمد ؟ قال : قد قلت فزعم أنه يستحي ، فقالت : ما رأيت رجلا أشد حياء ، ولا أعف ولا ولا ، فوقع في نفس أختها خديجة ، فبعثت إليه ، فقالت : ائت أبي فاخطبني ، قال : إن أباك رجل كثير المال ، وهو لا يفعل .

وفي حديث عمار قال : خرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم حتى مررنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم لها فنادتني ، فانصرفت إليها ، ووقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت : أما لصاحبك في تزوج خديجة حاجة ؟ فأخبرته ، فقال : بلى ، لعمري ، فرجعت إليها فأخبرتها .

وفي حديث جابر والرجل المبهم ، فقالت : انطلق إلى أبي فكلمه وأنا أكفيك ، وائت عندنا بكرة ، ففعل .

وفي حديث ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر خديجة ، وكان أبوها يرغب أن يزوجه إياها ، فصنعت طعاما وشرابا .

وفي حديث عمار : فذبحت بقرة . قال ابن عباس : فدعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى علوا ، فقالت خديجة : إن محمد بن عبد الله يخطبني ، فزوجني إياه ، وفي حديث جابر والرجل المبهم : فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكلمه .

قال ابن عباس : فخلفته وألبسته حلة ، زاد عمار : وضربت عليه قبة ، وقال ابن عباس : وكذلك كانوا يفعلون بالآباء ، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه قبة ، فقال : ما شأني ؟ ما هذا ؟ قالت : زوجتني محمد بن عبد الله ، وقال : جابر أو الرجل المبهم : فلما أصبح جلس في المجلس ، فقيل له : أحسنت ، زوجت محمدا ، فقال : أوقد فعلت ، قالوا : نعم ، فقام ، فدخل عليها ، فقال : إن الناس يقولون : إني قد زوجت محمدا! وما فعلت ، قالت : بلى .

وروى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- فقال : أنا أزوج يتيم أبي طالب ؟ لا ، لعمري ، فقالت خديجة : ألا تستحي تريد أن تسفه نفسك عند قريش ، وتخبر الناس أنك كنت سكران ، فإن محمدا كذا ، فلم تزل به حتى رضي .

وقال جابر أو الرجل المبهم : ثم بعثت إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- بوقيتين من فضة أو ذهب ، وقالت : اشتر حلة وأهدها لي ، وكيسا ، وكذا وكذا ، ففعل .

وكانت رضي الله عنها تدعى في الجاهلية الطاهرة ، تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل المبعث بخمس عشرة سنة. قال : لم يتزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على خديجة -رضي الله تعالى عنها- حتى ماتت بعد أن مكثت عنده -صلى الله عليه وسلم- أربعا وعشرين سنة وأشهرا . تنبيه : تقدم أن عمها هو الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره أكثر علماء أهل السير . قال السهيلي : وهو الصحيح ، لما رواه الطبري عن جبير بن مطعم وابن عباس وعائش .

كلهم قال : إن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن خويلد كان قد هلك قبل الفجار . ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه .

وقال عمر بن أبي بكر المؤملي : المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه .

وذكر الزهري في سيرته أن خويلدا أباها الذي زوجها منه وكان قد سكر من خمر ، فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق فلما صحا من سكره قال : ما هذه الحلة والطيب؟

فقيل : إنك أنكحت محمدا خديجة وقد ابتنى بها . فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه . ووافقه ابن إسحاق على ذلك ، وذكر ابن إسحاق في آخر كتابه أن عمرو بن خويلد أخاها هو الذي زوجها . فالله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث