الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها

[ زواجه بعائشة ] قال الزهري : ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، ، زوجه إياها أبوها أبو بكر ، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم . قلت : ولم يولد له منها ولد ، وقيل : بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ، ولهذا كانت تكنى بأم عبد الله . وقيل إنما كانت تكنى بعبد الله ابن أختها أسماء من الزبير بن العوام رضي الله عنهم .

قلت : وقد قيل : إنه صلى الله عليه وسلم تزوج سودة قبل عائشة . قاله ابن إسحاق بيان إتيان جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - بصورتها وإخباره - عز وجل - أنها زوجته .

  روى الإمام أحمد والشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «رأيتك في المنام قبل أن أتزوجك مرتين » وفي لفظ : «ثلاث ليال ، جاءني بك ملك في خرقة من حرير فيقول : هذه امرأتك فيكشف عن وجهها ، فإذا هي أنت ، فأقول إن يك من عند الله يمضه .

  وروى ابن عساكر عنها - رضي الله تعالى عنها - قالت : ما تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتاه جبريل - صلى الله عليه وسلم - بصورتي فقال : هذه زوجتك في الدنيا والآخرة ، تزوجني وإني لجارية على حرف فلما تزوجني أوقع الله علي الحياء .

  روى الترمذي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : «أتاني جبريل فقال إن الله - عز وجل - زوجك بابنة أبي بكر ومعه صورة عائشة » . وأما قصة خطبتها وتزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها .

  فقد روى الطبراني برجال ثقات عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : لما ماتت خديجة - رضي الله تعالى عنها - جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون - رضي الله تعالى عنها - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، ألا تتزوج ؟ فقال : من ؟ فقالت : إن شئت بكرا ، وإن شئت ثيبا ، فقال : ومن البكر ومن الثيب ؟ فقالت : فأما البكر فابنة أحب الخلق إليك عائشة بنت أبي بكر ، وأما الثيب فسودة بنت زمعة - رضي الله تعالى عنها - قد آمنت بك ، واتبعتك ، قال صلى الله عليه وسلم : فاذهبي ، فاذكريهما علي ، فأتيت أم رومان ، فقلت : يا أم رومان ، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة ؟ قالت : وما ذاك ؟ قلت : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر عائشة ، قالت : وددت ، انتظري أبا بكر ، فإن أبا بكر آت ، قالت : فجاء أبو بكر ، فذكرت ذلك له فقال : أوتصلح وهي ، وفي لفظ :

  إنما هي ابنة أخيه ، فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ارجعي إليه وقولي له : «إنما أنا أخوه وهو أخي » ، وفي لفظ : فقولي : أنت أخي وأنا أخوك في الإسلام وابنته وفي لفظ : وابنتك تصلح لي ، قال : انتظري ، قالت : وقام أبو بكر ، فقالت لي أم رومان : إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه ، والله ، ما أخلف أبو بكر وعدا قط ، قالت : فأتى أبو بكر المطعم بن عدي وعنده امرأته أم أهنى ، فقال : ما تقول في أم هذه الجارية ؟ فأقبل على امرأته ، فقال : ما تقولين ؟ قالت : فأقبلت على أبي بكر ، فقالت : لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تصبئه ، وتدخله في دينك والذي أنت عليه ، فأقبل أبو بكر عليه ، فقال : ما تقول أنت ؟ قال : إنه أقول ما تسمع . فقام أبو بكر ليس في نفسه شيء من الوعد ، فقال لخولة : قولي - وفي لفظ «ادعي » - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليأت ، فدعته ، قالت : فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فملكها ، قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها - : فتزوجني ثم لبثت سنتين ، فلما قدمنا المدينة نزلنا بالسنح في دار بني الحارث بن الخزرج ، قالت : فإني لأرجح بين عزقتين وأنا ابنة تسع ، فجاءت أمي من الأرجوحة ولي جميمة ، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت عند الباب وإني لألهج فمسحت وجهي بشيء من ماء وفرقت جميمة كانت لي ، ثم دخلت بي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي البيت رجال ونساء ، فأجلستني في حجرة ، ثم قالت : هؤلاء أهلك يا رسول الله فبارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك ! قالت : فقام الرجال والنساء وبنى بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا والله ! ما نحرت علي من جزور ولا ذبحت من شاة ولكن جفنة كان يبعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
.

 

  وروى مسلم عنها - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين وزفت إليه وهي بنت تسع سنين ، ولعب معها ومات عندها وهي بنت ثماني عشرة سنة .

وروى الإمام أحمد في مسند أسماء بنت يزيد بن السكن عن أسماء بنت عميس - رضي الله تعالى عنها - قالت : كنت صاحبة عائشة - رضي الله تعالى عنها - التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعي نسوة قالت : فوالله ما وجدن عنده قرى إلا قدح من لبن ، قالت : فشرب منه ، ثم ناوله عائشة ، فاستحيت الجارية ، فقلت : لا تردي يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذته على حياء فشربت ثم قال : ناولي صواحبك فقلن : لا نشتهيه فقال : لا تجمعن جوعا وكذبا ، قالت فقلت : يا رسول الله ، إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه بعد ذلك كذبا ، قال : إن الكذب يكتب كذبا ، حتى يكتب الكذيبة كذيبة .

  وروى الإمام أحمد ، (ومسلم ) والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وأبو بكر بن أبي خيثمة عنها قالت : تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شوال ، وبنى بي في شوال فأي نسائه كان أحظى عنده مني ! قال أبو عبيدة معمر بن المثنى - رحمه الله تعالى - تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة بسنتين في شوال وهي ابنة ست سنين ، كانت العرب لا تستحب أن تبني بنسائها في شوال .

  قال أبو عاصم : إنما كره الناس أن يدخل بالنساء في شوال لطاعون وقع في شوال في الزمن الأول .

  ما جاء في أنها زوجته في الدنيا والآخرة وأنها تحشر معه

  روى ابن حبان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله تعالى عنها - أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة .

وروى ابن حبان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : قلت : يا رسول الله ، من أزواجك في الجنة ؟ قال : أما إنك منهن .

  وروى أبو الحسن الخلعي عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عائشة ، «إنه ليهون علي الموت أني قد رأيتك زوجتي في الجنة » وروى الإمام أحمد عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لقد رأيت عائشة في الجنة كأني أنظر إلى بياض كفيها ، ليهون بذلك عند موتي » .

  وروى أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي الحنبلي - رحمه الله تعالى - في كتاب «التبصرة » أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «يا عائشة ، أنت تحشرين مع أهلك » . ما جاء في أنها أحب نسائه إليه - صلى الله عليه وسلم -

  روى الترمذي ، وصححه عن عمرو بن غالب أن رجلا نال من عائشة - رضي الله تعالى عنها - عند عمار ، فقال : اغرب مقبوحا منبوحا ، أتؤذي حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وذكر أن حاجب عائشة - رضي الله تعالى عنها - قال : جاء ابن عباس ليستأذن على عائشة فقالت : لا حاجة لي بتزكيته ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : يا أمتاه إن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك ، قالت : فأذن له فدخل عليها فقال : يا أمه أبشري فوالله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك ، كنت أحب نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم إليه ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب إلا طيبا ، قالت أيضا ؟ قال : هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقطها فلم يجدوا ماء ، فأنزل الله عز وجل فتيمموا صعيدا طيبا [النساء : 43 ] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار . فقالت : يا بن عباس دعني منك ومن تزكيتك فوالله لوددت أني كنت نسيا منسيا .

 وروي عن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - أنه قيل لرسول الله : - صلى الله عليه وسلم - «أي الناس أحب إليك ؟ قال : «عائشة » ، قيل : فمن الرجال ؟ قال : «أبوها » .

  وروى الطبراني بإسناد حسن عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : من يا رسول الله أحب الناس إليك ؟ قال : ولم ؟ قالت : لأحب ما تحب ، قال : «عائشة » .

  وروى أيضا عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت يوم ماتت عائشة : اليوم ماتت أحب شخص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

  وروى الدارقطني في - غرائب مالك - عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف حبك لي ؟ قال : «كعقدة الحبل » ، قالت : كيف العقدة ؟ قال : على حالها » .

  ما جاء في كونه - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج بكرا غيرها

  روى البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قلت : يا رسول الله ، أرأيت [لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها ، ووجدت شجرا لم يؤكل منها ، في أيها كنت ترتع بعيرك ؟ قال : في التي لم يرتع منها . يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها ] . ما جاء في ابتدائه - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت عليه آية التخيير بها وحسن جوابها .

  روى مسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن الله - عز وجل - أنزل الخيار فبدأ بعائشة ، وقال : إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تأتي أبويك ، قالت : ما هو ؟ فتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا [الأحزاب 28 ] الآية فقالت : أفيك أستأمر أبوي بل أختار الله ورسوله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث