الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 67 ] النوع الثامن والعشرون

هل في القرآن شيء أفضل من شيء ؟

وقد اختلف الناس في ذلك ، فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري ، والقاضي أبو بكر ، [ ص: 68 ] وأبو حاتم بن حبان وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض ; لأن الكل كلام الله ، وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينهما . وروي معناه عن مالك ; قال يحيى بن يحيى : تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها ، احتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول ، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه .

قال ابن حبان في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه : ما أنزل الله في التوراة ولا في [ ص: 69 ] الإنجيل مثل أم القرآن : إن الله لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم ، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه - قال - وقوله أعظم سورة أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض .

وقال قوم بالتفضيل لظواهر الأحاديث ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب ، بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلا ، وقيل بل يرجع لذات اللفظ ، وأن ما تضمنه قوله تعالى : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ( البقرة : 163 ) ، وآية الكرسي ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ، ليس موجودا مثلا في : تبت يدا أبي لهب ( اللهب : 1 ) وما كان مثلها ; فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها ; لا من حيث الصفة ، وهذا هو الحق .

[ ص: 70 ] وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء .

وتوسط الشيخ عز الدين ، فقال : كلام الله في الله أفضل من كلام الله في غيره ، ف قل هو الله أحد ( الإخلاص : 1 ) أفضل من تبت يدا أبي لهب ( اللهب : 1 ) ، وعلى ذلك بنى الغزالي كتابه المسمى بجواهر القرآن واختاره القاضي أبو بكر بن العربي ، لحديث أبي سعيد بن المعلى في صحيح البخاري : إني لأعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن ، قال : الحمد لله رب العالمين ( الفاتحة : 2 ) .

ولحديث أبي بن كعب في الصحيحين قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : يا أبي ، أتدري أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قال : قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( البقرة : 255 ) قال : فضرب في صدري ، وقال : ليهنك العلم أبا المنذر .

[ ص: 71 ] وأخرج الحاكم في مستدركه بسند صحيح عن أبي هريرة : سيدة آي القرآن آية الكرسي .

وفي الترمذي غريبا عنه مرفوعا : لكل شيء سنام ، وإن سنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسي .

وروى ابن عيينة في " جامعه " عن أبي صالح عنه : فيها آية الكرسي ، وهى سنام آي القرآن ، ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها . وهذا لا يعارض ما قبله بأفضلية الفاتحة ; لأن تلك باعتبار السور ، وهذه باعتبار الآيات .

وقال القاضي شمس الدين الخويي : كلام الله كله أبلغ من كلام المخلوقين ، وهل يجوز أن يقال : بعض كلامه أبلغ من بعض ؟ جوزه بعضهم لقصور نظرهم . وينبغي أن يعلم أن معنى قول القائل : هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام ، أن هذا في موضعه له حسن ولطف ، وذاك في موضعه له حسن ولطف ، وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذاك في موضعه . فإن من قال : إن قل هو الله أحد ( الإخلاص : 1 ) أبلغ من تبت يدا أبي لهب ( اللهب : 1 ) يجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب ، وبين التوحيد والدعاء على الكافرين ، وذلك غير صحيح ، بل ينبغي أن يقال : تبت يدا أبي لهب دعاء عليه بالخسران ، فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه ؟ ! وكذلك في قل هو الله أحد لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها ، فالعالم إذا نظر إلى تبت يدا أبي لهب وتب في باب الدعاء والخسران ونظر إلى قل هو الله أحد في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول : أحدهما أبلغ من الآخر وهذا القيد يغفل عنه بعض من لا يكون عنده علم البيان .

[ ص: 72 ] قلت : ولعل الخلاف في هذه المسألة يلفت عن الخلاف المشهور : إن كلام الله شيء واحد أو لا ; عند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته إنما هو بحسب متعلقاته .

فإن قيل : فقد قال تعالى : منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ( آل عمران : 7 ) فجعله شيئين ، وأنتم تقولون بعدمه ، وأنه صفة واحدة .

قلنا : من حيث إنه كلام الله لا مزية لشيء منه على شيء ، ثم قولنا : " شيء منه " يوهم التبعيض ، وليس لكلام الله الذي هو صفته بعض ، ولكن بالتأويل والتفسير وفهم السامعين اشتمل على جميع أنواع المخاطبات ، ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شيء منه .

وقال الحليمي : قد ذكرنا أخبارا تدل على جواز المفاضلة بين السور والآيات ، وقال الله تعالى : نأت بخير منها أو مثلها ( البقرة : 106 ) ومعنى ذلك يرجع إلى أشياء :

أحدها : أن تكون آيتا عمل ثابتتان في التلاوة ، إلا أن إحداهما منسوخة والأخرى ناسخة ، فنقول : إن الناسخ خير ، أي أن العمل بها أولى بالناس وأعود عليهم ، وعلى هذا فيقال : آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من آيات القصص ; لأن القصص إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهي والتبشير ولا غنى بالناس عن هذه الأمور ، وقد يستغنون عن القصص ، فكل ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خير لهم مما يحصل تبعا لما لا بد منه .

والثاني أن يقال : إن الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته والدلالة على عظمته وقدسيته أفضل أو خير ، بمعنى أن مخبراتها أسنى وأجل قدرا .

والثالث أن يقال : سورة خير من سورة أو آية خير من آية ، بمعنى أن القارئ يتعجل بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل ، ويتأدى منه بتلاوتها عبادة ، كقراءة آية الكرسي ، وسورة الإخلاص ، والمعوذتين ; فإن قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى ، والاعتصام [ ص: 73 ] بالله جل ثناؤه ، ويتأدى بتلاوتها منه لله تعالى عبادة ، لما فيها من ذكر اسم الله تعالى جده بالصفات العلا على سبيل الاعتقاد لها ، وسكون النفس إلى فضل الذكر وبركته ; فأما آيات الحكم فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم ، وإنما يقع بها علم وإذكار فقط ، فكان ما قدمناه قبلها أحق باسم الخير والأفضل .

قال : ثم لو قيل في الجملة : إن القرآن خير من التوراة والإنجيل والزبور ، بمعنى أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها ، والثواب يحسب بقراءته لا بقراءتها ، أو أنه من حيث الإعجاز حجة النبي المبعوث ، وتلك الكتب لم تكن معجزة ، ولا كانت حجج أولئك الأنبياء بل كانت دعوتهم والحجج غيرها ; وكان ذلك أيضا نظير ما مضى .

وقد يقال : إن سورة أفضل من سورة ; لأن الله تعالى اعتد قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها ، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها ، وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا ، كما يقال : إن يوما أفضل من يوم ، وشهرا أفضل من شهر ; بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره ، والذنب يكون أعظم من الذنب منه في غيره . وكما يقال : إن الحرم أفضل من الحل لأنه يتأدى فيه من المناسك ما لا يتأدى في غيره ، والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة مما تقام في غيره . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث