الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


50 - الحديث السادس : عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال { أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء . فخرج عمر ، فقال : الصلاة ، يا رسول الله . رقد النساء والصبيان . فخرج ورأسه يقطر يقول : لولا أن أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة . } .

التالي السابق


" عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 177 ] أحد أكابر الصحابة وعلمائهم . كان يقال له " البحر " لسعة علمه . مات بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير . وولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، في قول الواقدي .

وفي الحديث مباحث :

الأول : يقال " عتم الليل " يعتم - بكسر التاء - إذا أظلم ، والعتمة : الظلمة وقيل : إنها اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشفق . نقل ذلك عن الخليل . وقوله " أعتم " أي دخل في العتمة ، كما يقال : أصبح ، وأمسى ، وأظهر . قال الله تعالى : { حين تمسون وحين تصبحون } - إلى قوله - { وحين تظهرون } .

الثاني : اختلف الناس في كراهية تسمية " العشاء " بالعتمة ، فمنهم من أجازه ، واستدل بهذا الحديث . وفي الاستدلال به نظر . فإن قوله " أعتم " أي دخل في وقت العتمة . والمراد : صلى فيه . ولا يلزم من ذلك أن يكون سمى العشاء " عتمة " وأصح منه : الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم { لو يعلمون ما في العتمة والصبح } ومنهم من كره ذلك . قال الشافعي : وأحب أن لا تسمى صلاة العشاء بالعتمة . ومستنده هذا الحديث الصحيح ، عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا وإنها العشاء . ولكنهم يعتمون بالإبل } أي يؤخرون حلبها إلى أن يظلم الظلام . وعتمة الليل : ظلمته ، كما قدمناه .

وهذا الحديث يدل على هذا المقصود من وجوه :

أحدها : صيغة النهي .

والثاني : ما في قوله " تغلبنكم " فإن فيه تنفيرا عن هذه التمسية . فإن النفوس تأنف من الغلبة .

والثالث : إضافة الصلاة إليهم ، في قوله " على اسم صلاتكم " فإن فيه زيادة .

ألا ترى أنا لو قلنا : لا تغلبن على مالك : كان أشد تنفيرا من قولنا : لا تغلبن على مال ، أو على المال ؟ لدلالة الإضافة على الاختصاص به . ولعل الأقرب : أن تجوز هذه التسمية ، ويكون الأولى تركها . وقد قدمنا الفرق بين كون الأولى ترك الشيء ، وبين كونه مكروها . أما الجواز : فلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم . وأما عدم الأولوية : فللحديث المذكور . ولفظ الشافعي - وهو قوله " لا أحب " - أقرب إلى ما ذكرناه من قول من قال من أصحابه " ويكره أن يقال لها العتمة " . أو يقول : المنهي عنه إنما هو الغلبة على الاسم . وذلك بأن يستعمل دائما ، [ ص: 178 ] أو أكثريا . ولا يناقضه أن يستعمل قليلا . فيكون الحديث من باب استعماله قليلا . أعني قوله صلى الله عليه وسلم { ولو يعلمون ما في العتمة والصبح } ويكون حديث ابن عمر محمولا على أن تسمى بذلك الاسم غالبا أو دائما . .



الثالث : في الحديث دليل على أن الأولى : تأخير العشاء . وقد قدمنا اختلاف العلماء فيه . ووجه الاستدلال : قوله صلى الله عليه وسلم { لولا أن أشق على أمتي } ، أو على الناس . .. إلخ . وفيه دليل على أن المطلوب تأخيرها لولا المشقة .



الرابع : قد حكينا أن " العتمة " اسم لثلث الليل بعد غيبوبة الشفق فلا ينبغي أن يحمل قوله " أعتم " على أول أجزاء هذا الوقت ، فإن أول أجزائه : بعد غيبوبة الشفق ولا يجوز تقديم الصلاة على ذلك الوقت . وإنما ينبغي أن يحمل على آخره ، أو ما يقارب ذلك . فيكون ذلك مخالفا للعادة ، وسببا لقول عمر رضي الله عنه " رقد النساء والصبيان " .



الخامس : قد كنا قدمنا في قوله صلى الله عليه وسلم { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } أنه استدل بذلك على أن الأمر للوجوب . فلك أن تنظر : هل يتساوى هذا اللفظ مع ذلك في الدلالة ، أم لا ؟ فأقول : لقائل أن يقول : لا يتساوى مطلقا . فإن وجه الدليل ثم : أن كلمة " لولا " تدل على انتماء الشيء لوجود غيره . فيقتضي ذلك انتفاء الأمر لوجود المشقة . والأمر المنتفى ليس أمر الاستحباب ، لثبوت الاستحباب فيكون المنتفي ، هو أمر الوجوب . فثبت أن الأمر المطلق للوجوب . فإذا استعملنا هذا الدليل في هذا المكان ، وقلنا : إن الأمر المنتفى ليس أمر الاستحباب - لثبوت الاستحباب - توجه المنع هاهنا ، عند من يرى أن تقديم العشاء أفضل بالدلائل الدالة على ذلك اللهم إلا أن يضم إلى الاستدلال : الدلائل الخارجة ، الدالة [ ص: 179 ] على استحباب التأخير فيترجح على الدلائل المقتضية للتقديم . ويجعل ذلك مقدمة . ويكون المجموع دليلا على أن الأمر للوجوب . فحينئذ يتم ذلك بهذه الضميمة .

السادس : في الحديث دليل على تنبيه الأكابر : إما لاحتمال غفلة ، أو لاستثارة فائدة منهم في التنبيه . لقول عمر " رقد النساء والصبيان " .

السابع : يحتمل أن يكون قوله " رقد النساء والصبيان " راجعا إلى من حضر المسجد منهم ، لقلة احتمالهم المشقة في السهر . فيرجع ذلك إلى أنهم كانوا يحضرون المسجد لصلاة الجماعة . ويحتمل أن يكون راجعا إلى من خلفه المصلون في البيوت من النساء والصبيان . ويكون قوله " رقد النساء " إشفاقا عليهن من طول الانتظار .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث