الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب اللعان) عن نافع عن ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وألحق الولد بالمرأة وفي رواية لهما أنه من الأنصار وفي رواية لهما فرق بين أخوي بني عجلان ، وقال الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب زاد البخاري فأبيا فقال الله يعلم فذكرها ثلاثا ، وفي رواية لهما لا سبيل لك عليها قال مالي قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كذبت عليها فذاك أبعد لك ولهما من حديث سهل بن سعد تسميته بعويمر العجلاني .

التالي السابق


(باب اللعان) (الحديث الأول) عن نافع عن ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وألحق الولد بالمرأة (فيه) فوائد :

(الأولى) أخرجه الأئمة الستة من هذا الوجه من طريق مالك ، وفي رواية مسلم (وألحق الولد بأمه) وفي رواية الترمذي والنسائي ، وألحق الولد بالأم ، وحكى [ ص: 109 ] ابن عبد البر عن قوم أن مالكا انفرد بقوله فيه ألحق الولد بالمرأة أو بالأم ، ووافقهم على ذلك ، وقال حسبك بمالك حفظا وإتقانا ، وقد قال جماعة من أئمة أهل الحديث إن مالكا أثبت في نافع ، وابن شهاب من غيره ثم ذكر أنها محفوظة من حديث سهل بن سعد فإن فيه فكان الولد يدعى لأمه وحكى ابن العربي انفراد مالك بذلك عن يحيى بن معين ، وأورد ابن عبد البر الحديث من الموطإ من طريق يحيى بن يحيى الأندلسي بلفظ وانتقل من ولدها قال : وأكثرهم يقولون وانتفى من ولدها ، والمعنى واحد قال : وربما لم يذكر بعضهم فيه (انتفى ، ولا انتقل) ثم رواه كذلك من طريق سعيد بن منصور عن مالك ثم قال : وقال قوم في هذا الحديث من مالك أن الرجل قذف امرأته ، وليس هذا في الموطإ ، ولا نعرفه من مذهبه ثم رواه بهذه الزيادة من طريق عاصم بن مهجع خال مسدد ، ويحيى بن أبي زائدة ، والحسن بن سوار ثلاثتهم عن مالك ، واتفق عليه الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجل من الأنصار وامرأته وفرق بينهما ، وفي لفظ للبخاري فرق بين رجل وامرأته قذفها ، وأحلفهما ، وأخرجه البخاري من طريق جويرة عن نافع عن ابن عمر أن رجلا من الأنصار قذف امرأته فأحلفهما النبي صلى الله عليه وسلم ثم فرق بينهما ، وأخرجه الشيخان ، وأبو داود ، والنسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر بلفظ فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني عجلان ، وقال الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب زاد البخاري فأبيا فقال الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب فأبيا فقال الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب فأبيا ففرق بينهما ، ولفظ أبي داود يرددها ثلاث مرات ، ولفظ النسائي قالها ثلاثا ، وفي لفظ لهم من هذا الوجه لا سبيل لك عليها قال مالي قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك .

(الثانية) قوله (إن رجلا لاعن امرأته) قد عرفت أن في الصحيحين أنه من الأنصار ، وفي رواية لهما أنه من بني العجلان ، وبنو العجلان من بلي . وإنما هو من الأنصار بالحلف ، وذكر المصنف رحمه الله في النسخة الكبرى أن هذا الرجل هو عويمر العجلاني [ ص: 110 ] فقال : ولهما أي للشيخين من حديث سهل بن سعد تسميته بعويمر العجلاني ، ولذا قال ابن العربي إنه عويمر . وكذا قال أبو العباس القرطبي في قوله في حديث ابن عمر أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان هو ، والله أعلم عويمر العجلاني فإن قلت كيف جزم الشيخ ، وقبله ابن العربي ، والقرطبي بذلك مع أن في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أنه هلال بن أمية ، وكذا في صحيح مسلم من حديث أنس (قلت) كلامهم في تفسير المبهم في حديث ابن عمر . ولما قال ابن عمر في الروايات في الصحيحين فرق بين أخوي بني عجلان تعين بذلك أنه أراد عويمرا العجلاني لا هلال بن أمية ، وإن كان الآخر قد لاعن على أن بعض الناس قد أنكر ملاعنة هلال بن أمية بالكلية فقال أبو بكر بن العربي قال الناس هو وهم من هشام بن حسان ، وعليه دار حديث ابن عباس بذلك ، وحديث أنس قال : وقد رواه القاسم عن ابن عباس كما رواه الناس فبين فيه الصواب . وقال أبو العباس القرطبي ، وقد أنكر أبو عبد الله أخو المهلب في هذه الأحاديث هلال بن أمية ، وقال هو خطأ ، والصحيح عويمر ، ونحوا منه قال الطبري . وقال إنما هو عويمر ، وهو الذي قذفها بشريك ابن سحماء ، والله أعلم .

وكذلك حكي في تهذيب الأسماء في الملاعن ثلاثة أقوال عويمر ، وهلال بن أمية ، وعاصم بن عدي . وحكي عن الواحدي أنه قال أظهر هذه الأقوال أنه عويمر لكثرة الأحاديث ، وكنت أنكرت على النووي حكاية الخلاف في ذلك للجزم بأن هلالا لاعن أيضا كما تقدم من الصحيحين ، وكتبت ذلك في المبهمات قبل أن أرى هذا الإنكار لكن في حكاية قول بأنه عاصم بن عدي نظر فلم يصح أن عاصما لاعن زوجته بل لم نقف على ذلك في شيء من الكتب المشهورة . وقد أنكر والدي رحمه الله في شرح الترمذي على ابن العربي قوله إن هشام بن حسان دار عليه حديث ابن عباس ، وقال قد تابعه عليه عباد بن منصور فرواه عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه ، وسمع بأذنيه فلم يهجه حتى أصبح ثم عدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نزول الآية وقصة [ ص: 111 ] اللعان . رواه أبو داود في سننه من رواية يزيد بن هارون أنا عباد بن منصور ، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده أطول منه قال ثنا عباد بن منصور ، وتابعهما أيضا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رواه ابن مردويه في تفسيره ، وابن عبد البر في التمهيد قال : وقوله ، وقد رواه القاسم عن ابن عباس كما رواه الناس يوهم أن القاسم سمى الملاعن عويمرا ، وليس كذلك ، والذي في الصحيحين أنه أبهمه لم يسم عويمرا ، ولا هلالا ، وإنما قال فأتاه رجل من قومه أي من قوم عاصم بن عدي . وليس فيه ذكر لعويمر قال النسائي في رواية القاسم عن ابن عباس لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العجلاني ، وامرأته والعجلاني هو عويمر كما ثبت مسمى منسوبا من حديث سهل في الصحيحين ثم ذكر والدي رحمه الله أن الصواب أنهما قضيتان

قال : وقد وقع التصريح بذلك في بعض طرق حديث ابن مسعود قال كنا ليلة الجمعة في المسجد إذ قال رجل لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن قتله قتلتموه ، وإن تكلم جلدتموه ، ولأذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله آية اللعان ثم جاء رجل فقذف امرأته فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما الحديث

قال والدي ، وإسناده صحيح رواه ابن مردويه في تفسيره قال فقد بين في هذه الرواية أن الذي سأل أولا غير الذي قذف ثانيا ، وأن القرآن نزل قبل أن يلاعن الثاني ، وهذا واضح جلي (قلت) ليس في هذه الرواية وقوع اللعان مرتين ، وهو الذي فيه الكلام ، وإن كان كلام الأكثرين يدل على ذلك ، وهو مقتضى صحة الروايتين ، وقد ذكر الخطيب في مبهماته أن الملاعن في حديث سهل هو عويمر بن سهل الحارث العجلاني ، وفي حديث ابن عباس هو هلال بن أمية ، ولم يبين المبهم في حديث ابن عمر ، وهو عويمر كما تقدم ، وما ذكره الخطيب من أن عويمرا هو ابن الحارث ينبغي النظر فيه فإن في سنن أبي داود من حديث سهل بن سعد تسميته عويمر بن أشقر العجلاني .

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب عويمر بن أبيض العجلاني الأنصاري صاحب اللعان ، وذكر قبل ذلك عويمر بن الأشقر بن عوف الأنصاري قيل إنه من بني مازن شهد بدرا يعد من أهل المدينة ، ولم [ ص: 112 ] يزد على ذلك ، ولم يذكر أنه الملاعن فحصل في اسم والد عويمر ثلاثة أقوال الحارث أشقر أبيض ، والأوسط هو الأولى لورود الرواية في سنن أبي داود كما ذكرته ، والله أعلم .

وقال ابن طاهر في مبهماته اسم امرأة هلال المقذوفة خولة بنت عاصم لها ذكر ، وليست لها رواية .

(الرابعة) قال النووي في شرح مسلم اختلف العلماء في نزول آية اللعان هل هو بسبب عويمر العجلاني أم بسبب هلال بن أمية وقال بعضهم بسبب عويمر العجلاني واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لعويمر قد أنزل فيك ، وفي صاحبتك ، وقال جمهور العلماء سبب نزولها قصة هلال ، وكان أول رجل لاعن في الإسلام قال الماوردي في الحاوي قال الأكثرون قضية هلال بن أمية أسبق من قضية العجلاني قال : والنقل فيهما مشتبه مختلف ، وقال ابن الصباغ في الشامل قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولا قال .

وأما قوله عليه الصلاة والسلام لعويمر إن الله قد أنزل فيك ، وفي صاحبتك فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس قال النووي ، ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا فلعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت الآية فيهما ، وسبق هلال باللعان فيصدق أنها نزلت في ذا وذاك ، وأن هلالا أول من لاعن انتهى .

وسبقه إلى ذلك الخطيب البغدادي فقال لعلهما اتفقا كونهما معا في وقت واحد أو في ميقاتين ، ونزلت آية اللعان في تلك الحال ، وروينا عن جابر قال ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال ، وكذا قال أبو العباس القرطبي يحتمل أن تكون القضيتان متقاربتي الزمان فنزلت بسببهما معا ، ويحتمل أن تكون الآية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أي كرر نزولها عليه كما قاله بعض العلماء في سورة الفاتحة إنها نزلت بمكة ، وتكرر نزولها بالمدينة قال : وهذه الاحتمالات ، وإن بعدت فهي أولى من أن يطرق الوهم للرواة الأئمة الحفاظ انتهى .

وحكى القرطبي عن البخاري أن نزولها بسبب هلال بن أمية

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث