الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ، وابن راهويه ، وأحمد ، وعبد بن حميد والبزار ، ، وأبو يعلى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، عن ابن مسعود رفعه في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : لو أن رجلا هم فيه بإلحاد وهو بعدن [ ص: 453 ] أبين لأذاقه الله تعالى عذابا أليما .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، والطبراني ، عن ابن مسعود في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم قال : من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم تكتب عليه حتى يعملها ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين ، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة ، فنزلت فيه : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) يعني : من لجأ إلى الحرم : بإلحاد يعني بميل عن الإسلام .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، والبيهقي في " شعب الإيمان "، عن قتادة [ ص: 454 ] في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد ، قال : من لجأ إلى الحرم ليشرك فيه عذبه الله .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : بشرك .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : هو أن يعبد فيه غير الله .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك، من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك ، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : هم المحتكرون الطعام بمكة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، والبخاري في " تاريخه " ، وأبو داود ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن يعلى بن أمية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 455 ] احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، والبخاري في " تاريخه " ، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال : احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عمر قال : بيع الطعام بمكة إلحاد .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البيهقي في " شعب الإيمان "، عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : احتكار الطعام بمكة إلحاد .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن منيع ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن مجاهد قال : كان لعبد الله بن عمرو فسطاطان : أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم، واذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل ، فقيل له فقال : كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل : كلا والله، وبلى والله .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 456 ] وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : شتم الخادم في الحرم ظلم فما فوقه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عمر قال : إن قولك في الحرم : كلا والله، وبلى والله كاذبا إلحاد فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : تجارة الأمير بمكة إلحاد .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الحاكم وصححه ، عن ابن عباس قال : أقبل تبع يريد الكعبة، حتى إذا كان بكراع الغميم بعث الله تعالى عليه ريحا لا يكاد القائم يقوم إلا بمشقة ، ويذهب القائم يقعد فيصرع، وقامت عليه ولقوا منها عناء، ودعا تبع حبريه فسألهما : ما هذا الذي بعث علي؟ قالا : أتؤمنا قال : أنتم آمنون ، قالا : فإنك تريد بيتا يمنعه الله ممن أراده . قال : فما يذهب هذا عني؟ قالا : تجرد في ثوبين ثم تقول : لبيك اللهم لبيك، ثم تدخل فتطوف به، ولا تهيج أحدا من أهله ، قال : فإن أجمعت على هذا ذهبت هذه الريح عني؟ قالا : نعم ، فتجرد ثم لبى . قال ابن عباس فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [ ص: 457 ] قال : حدثنا رجل سمعه من عقب المهاجرين والأنصار أنهم أخبروه أن أيما أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل عجل لهم العقوبة في الدنيا . وقال : إنما يؤتى استحلاله من قبل أهله ، فأخبرني عنهم أنه وجد سطران بمكة مكتوبان في المقام ؛ أما أحدهما فكتابته : بسم الله، والبركة ووضعت بيتي بمكة ، طعام أهله اللحم والسمن والتمر، ومن دخله كان آمنا، لا يحله إلا أهله ، قال : لولا أن أهله هم الذين فعلوا به ما قد علمت لعجل لهم في الدنيا العذاب ، قال : ثم أخبرني أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قبل أن يستحل منه الذي استحل، قال : أجده مكتوبا في الكتاب الأول : عبد الله يستحل به الحرم وعنده عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير ، فقال : عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، قال كل واحد منهما : لست قاربه إلا حاجا أو معتمرا أو حاجة لا بد منها ، وسكت عبد الله بن الزبير فلم يقل شيئا، فاستحل من بعد ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود قال : من هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها ، ولو أن رجلا كان بعدن أبين حدث نفسه بأن يلحد في البيت- والإلحاد فيه : أن يستحل فيه ما حرم الله عليه- فمات قبل أن يصل إلى ذلك أذاقه الله من عذاب أليم .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 458 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر عن الضحاك في قوله : ومن يرد فيه بإلحاد قال : إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه وما عملها .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن مجاهد : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) قال : من يعمل فيه عملا سيئا .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر عن مجاهد قال : تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : القتل والشرك .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن أبي مليكة، أنه سئل عن قوله : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء أعلاج من أهل البصرة إلى أعلاج من أهل الكوفة، فزعموا أنها الشرك .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : ما من عبد يهم بذنب فيؤاخذه الله بشيء حتى يعمله، إلا من هم بالبيت العتيق شرا؛ فإنه من هم به شرا عجل الله له .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 459 ] وأخرج عبد بن حميد عن أبي الحجاج في الآية قال : إن الرجل يحدث نفسه أن يعمل ذنبا بمكة ، فيكتبه الله عليه ذنبا .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد عن مجاهد قال : رأيت عبد الله بن عمرو بعرفة ومنزله في الحل ومسجده في الحرم فقلت له : لم تفعل هذا؟ قال : لأن العمل فيه أفضل، والخطيئة فيه أعظم .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية