الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية السادسة قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا

الآية السادسة قوله تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } .

لم تزل هذه الآية مخبوءة تحت أستار المعرفة حتى هتكها الله عز وجل بفضله لنا ، وقد تعلق كثير من الناس بها في أن أصل الأشياء الإباحة ، إلا ما قام عليه دليل بالحظر ، واغتر به بعض المحققين

وتابعهم عليه .

وقد حققناها في أصول الفقه بما الإشارة إليه أن الناس اختلفوا في هذه الآية على ثلاثة أقوال : الأول : أن الأشياء كلها على الحظر حتى يأتي دليل الإباحة .

الثاني : أنها كلها على الإباحة حتى يأتي دليل الحظر .

الثالث : أن لا حكم لها حتى يأتي الدليل بأي حكم اقتضي فيها .

والذي يقول بأن أصلها إباحة أو حظر اختلف منزعه في دليل ذلك ; فبعضهم تعلق فيه بدليل العقل ، ومنهم من تعلق بالشرع .

والذي يقول : إن طريق ذلك الشرع قال : الدليل على الحكم بالإباحة قوله تعالى : [ ص: 24 ] { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } فهذا سياق القول في المسألة إلى الآية .

فأما سائر الأقسام المقدمة فقد أوضحناها في أصول الفقه ، وبينا أنه لا حكم للعقل ، وأن الحكم للشرع ; ولكن ليس لهذه الآية في الإباحة ودليلها مدخل ولا يتعلق بها محصل .

وتحقيق ذلك أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الدلالة ، والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم وجريانها في التقديم والتأخير بحكم الإرادة .

وعاتب الله تعالى الكفار على جهالتهم بها ، فقال : { أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } .

فخلقه سبحانه وتعالى الأرض ، وإرساؤها بالجبال ، ووضع البركة فيها ، وتقدير الأقوات بأنواع الثمرات وأصناف النبات إنما كان لبني آدم ; تقدمة لمصالحهم ، وأهبة لسد مفاقرهم ، فكان قوله تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } مقابلة الجملة بالجملة ; للتنبيه على القدرة المهيئة لها للمنفعة والمصلحة ، وأن جميع ما في الأرض إنما هو لحاجة الخلق ; والبارئ تعالى غني عنه متفضل به .

وليس في الإخبار بهذه العبارة عن هذه الجملة ما يقتضي حكم الإباحة ، ولا جواز التصرف ; فإنه لو أبيح جميعه جميعهم جملة منثورة النظام لأدى ذلك إلى قطع الوصائل والأرحام ، والتهارش في الحطام .

[ ص: 25 ] وقد بين لهم طريق الملك ، وشرح لهم مورد الاختصاص ، وقد اقتتلوا وتهارشوا وتقاطعوا ; فكيف لو شملهم التسلط وعمهم الاسترسال ; وإنما يجب على الخلق إذا سمعوا هذا النداء أن يخروا سجدا ; شكرا لله تعالى لهذه الحرمة لحق ما ذلك من نعمه ، ثم يتوكفوا بعد ذلك سؤال وجه الاختصاص لكل واحد بتلك المنفعة .

ونظير هذا من المتعارف بين الخلق على سبيل التقريب لتفهيم الحق ما قال حكيم لبنيه : قد أعددت لكم ما عندي من كراع وسلاح ومتاع وعرض وقرض لما كان ذلك مقتضيا لتسليطهم عليه كيف شاءوا حتى يكون منه بيان كيفية اختصاصهم .

وقد قال الله سبحانه : { أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر }

يعني في الجنة ، فلا يصل أحد منهم إليه إلا بتبيان حظه منه وتعيين اختصاصه به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث