الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في لفظ الغوث والقطب

فصل

ولفظ الغوث والقطب في حق البشر لم ينطق به كتاب ولا سنة، ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان في هذا المعنى، بل غياث المستغيثين على الإطلاق هو الله تعالى، كما قال: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم .

ولم يجعل الله أحدا من الخلق غوثا يغيث الخلق في كل ما يستغيثونه فيه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما. بل في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا. يا عباس عم قد أبلغتك".

وهذا كقوله : "يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا; يا عباس عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا; يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، سلوني ما شئتم". وهذا من تأويل قوله: وأنذر عشيرتك الأقربين . [ ص: 78 ]

وقد يكون بعض الناس سببا لشر يندفع في بعض الأمور، فيقال: فلان يستغيث بفلان، كما قال تعالى: فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه . هذا كلفظ النصر والرزق والهدى، فالله هو الهادي النصير الرازق، وليس هذا النعت على الإطلاق لأحد إلا لله وحده، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل. لكن من الخلق من يكون سببا في رزق أو هدى أو نصر يحصل لغيره، وهو في ذلك سبب، لا يستقل بالحكم، بل لا بد معه من أسباب أخر، ولا بد من موانع يدفعها الله، وإلا لم يحصل المطلوب. وأما أن يكون بشر أو ملك يغيث الخلق في كل ما يستغيثون فيه بالله، فمن ادعى هذا فهو أكفر من النصارى من بعض الوجوه، فإن أولئك قالوا: إن الله هو الذي يغيث، لكن زعموا أنه اتحد أو حل في المسيح، وهذا جعل بعض المخلوقات يفعل ما يفعله الخالق. ومن زعم أن ثم غوثا يكون على يديه ما ينزله الله من هدى ونصر ورزق، فقد افترى على الله، ليس ما ينزله الله في ذلك على عباده لشخص واحد.

ومن ضلال بعض هؤلاء أنهم يجعلون الغوث مقيما بمكة دائما.

فيقال لهم: من هذا الغوث الذي كان غياث الخلق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين، ولم يكن أحد منهم مقيما بمكة؟ ومن كان بمكة من هو أفضل من الرسول وخلفائه؟ وهؤلاء من جنس قول الإفرنج في "الباب"، فإنهم يدعون فيه نحوا من ذلك.

وأما لفظ "القطب"، فما دار عليه أمر من الأمور قيل: إنه قطبه، كقطب الرحا وقطب الفلك. فمن كانت له مرتبة من إمارة أو علم أو [ ص: 79 ] دين فهو قطب تلك الأمور التي دارت عليه، فالملك قطب الملك، والوالي قطب الولاية، ونحو ذلك. وقطب الدين الذي يؤخذ عنه ولا يزاحمه أحد هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن الصالحين من يجري الله على يديه من الخير ما يكون قطب أمته.

وأما أن يكون للوجود قطب يدور عليه أمره، به ينزل المطر مطلقا، وبه يحصل الهدى مطلقا، وبه يحصل النصر مطلقا، فهذا لا يكون لمخلوق البتة، ولكن قد يكون من المخلوقين من يحصل به ما يحصل من نصر ورزق وهدى، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم؟ " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث