الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 393 ] فصل في المكروه وهو لغة ضد المراد ، ويطلق في حق الله على معنى الإرادة كقوله تعالى { ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم } أي : أراد التثبيط فمنع الانبعاث ، فسميت إرادة كراهة باعتبار ضده ; لأن الباري سبحانه واحد فلا يصح أن يقوم به المتضادان ، ولا يعتبر هذا المعنى في الشرعيات ; لأنا لا نشترط في الأمر الإرادة ، ولا في النهي الكراهة ، وهي مأخوذة من التنفير ، ومنه قوله تعالى : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } . ويطلق على أربعة أمور : أحدها : الحرام ، ومنه قوله تعالى : { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } أي محرما ، ووقع ذلك في عبارة الشافعي ومالك . ومنه قول الشافعي في باب الآنية : وأكره آنية العاج ، وفي باب السلم : وأكره اشتراط الأعجف والمشوي والمطبوخ ; لأن الأعجف معيب ، وشرط المعيب مفسد . قال الصيدلاني : وهو غالب في عبارة المتقدمين كراهة أن يتناولهم قوله تعالى : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } ، فكرهوا إطلاق لفظ التحريم . [ ص: 394 ]

الثاني : " ما نهي عنه نهي تنزيه " وهو المقصود هنا . الثالث : ترك الأولى كصلاة الضحى ; لكثرة الفضل في فعلها ، وحكى الإمام في " النهاية " أن ترك غسل الجمعة مكروه مع أنه لا نهي فيه . قال : وهذا عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصودا . قلت : ويؤيده نص الشافعي في " الأم " : على أن ترك غسل الإحرام مكروه . وفرق معظم الفقهاء بينه وبين الذي قبله أن ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه : مكروه ، وما لا يقال فيه : خلاف الأولى ، ولا يقال : مكروه . وفرق محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة بين الحرام والمكروه كراهة تحريم ، فقال : المكروه كراهة تحريم : ما ثبت تحريمه بغير قطعي ، والحرام ما ثبت بقطعي كالواجب مع الفرض .

الرابع : ما وقعت الشبهة في تحريمه كلحم السبع ، ويسير النبيذ هكذا عده الغزالي في " المستصفى " من أقسام الكراهة ، وبه صرح أصحابنا في الفروع في أكثر المسائل الاجتهادية المختلف في جوازها ، لكن الغزالي استشكله بأن من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرام ، ومن أداه إلى حله فلا معنى للكراهة في حقه إلا إذا كان في شبهة الخصم حزازة في نفسه ووقع في قلبه فلا يصح إطلاق لفظ الكراهة لما فيه من خوف التحريم ، وإن كان غالب الظن الحل ، ويتجه هذا على مذهب من يقول : المصيب واحد ، وأما [ ص: 395 ] على قول من يقول : كل مجتهد مصيب ، فالحل عنده مقطوع به إذا غلب على ظنه . قال الإبياري في " شرح البرهان " : وليس في مسائل الفقه مسألة أصعب من القضاء بالكراهة في هذا القسم ، فإنه مخالف للدليلين جميعا ، وإن كان القولان متفقا عليهما كان المصير إلى الكراهة خرقا للإجماع ، ثم الذي يتأتى في هذا التوقف عن الفعل ، وإن كان يغلب على ظنه الحل لاحتمال التحريم . أما حمل غيره عليه أو الفتوى بالكراهة فلا وجه له عندي . تنبيه إطلاق الكراهة على هذه الأمور هل هو من المشترك أو حقيقة في التنزيه مجاز في غيره ؟ وجهان لأصحابنا . حكاهما ابن سراقة في كتابه بالنسبة لكراهة التنزيه والتحريم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث