الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الخامس والثلاثون لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 257 ] الحديث الخامس والثلاثون

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه رواه مسلم .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة ، وأبو سعيد هذا لا يعرف اسمه ، وقد روى عنه غير واحد ، وذكره ابن حبان في " ثقاته " وقال ابن المديني : هو مجهول .

وروى هذا الحديث سفيان الثوري ، فقال فيه : سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ووهم في قوله : " سعيد بن يسار " إنما هو : أبو سعيد مولى ابن كريز ، قاله أحمد ويحيى والدارقطني ، وقد روي بعضه من وجه آخر . وخرجه الترمذي من رواية أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله ، كل المسلم على [ ص: 258 ] المسلم حرام : عرضه وماله ودمه ، التقوى هاهنا ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم .

وخرج أبو داود من قوله : كل المسلم إلى آخره .

وخرجاه في " الصحيحين " من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تحاسدوا ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا .

وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة .

وخرج الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل المسلم على المسلم حرام : دمه ، وعرضه ، وماله ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ، والتقوى هاهنا - وأومأ بيده إلى القلب - وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . [ ص: 259 ] وخرج أبو داود آخره فقط .

وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه " . وخرجه الإمام أحمد ولفظه " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، وبحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم .

وفي " الصحيحين " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا .

ويروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا وموقوفا .

[ ص: 260 ] فقوله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسدوا يعني : لا يحسد بعضكم بعضا ، والحسد مركوز في طباع البشر ، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل .

ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام ، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل ، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه ، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه ، وهو شرهما وأخبثهما ، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه ، وهو كان ذنب إبليس حيث كان حسد آدم عليه السلام لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء ، وأسكنه في جواره ، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها ، ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح : اثنتان بهما أهلك بني آدم : الحسد ، وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما ، والحرص [ وبالحرص ] أبيح آدم الجنة كلها ، فأصبت حاجتي منه بالحرص . خرجه ابن أبي الدنيا .

وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضع من كتابه القرآن ، كقوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق [ البقرة : 109 ] ، وقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله [ النساء : 54 ] .

وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الزبير بن العوام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، حالقة الدين لا حالقة الشعر ، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم .

[ ص: 261 ] وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، أو قال : العشب .

وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سيصيب أمتي داء الأمم ، قالوا : يا نبي الله ، وما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر ، والتكاثر والتنافس في الدنيا ، والتباغض ، والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج .

[ ص: 262 ] وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره ، لم يعمل بمقتضى حسده ، ولم يبغ على المحسود بقول ولا بفعل . وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك ، وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة ، وهذا على نوعين : أحدهما : أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد من نفسه ، فيكون مغلوبا على ذلك ، فلا يأثم به .

والثاني : من يحدث نفسه بذلك اختيارا ، ويعيده ويبديه في نفسه مستروحا إلى تمني زوال نعمة أخيه ، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية ، وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء ، وربما يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى ، لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود ، ولو بالقول ، فيأثم بذلك .

وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود ، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله ، ويتمنى أن يكون مثله ، فإن كانت الفضائل دنيوية ، فلا خير في ذلك ، كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا : ياليت لنا مثل ما أوتي قارون [ القصص : 79 ] ، وإن كانت فضائل دينية ، فهو حسن ، وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله عز وجل . وفي " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم ، قال : لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا ، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله القرآن ، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، وهذا هو الغبطة ، وسماه حسدا من باب الاستعارة .

[ ص: 263 ] وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد ، سعى في إزالته ، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه ، والدعاء له ، ونشر فضائله ، وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرا منه وأفضل ، وهذا من أعلى درجات الإيمان ، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث