الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم

ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا هذا الكلام متصل بقوله نحن أعلم بما يستمعون به إلى قوله فلا يستطيعون سبيلا ، فإن ذلك ينطوي على ما هو شأن نجواهم من التصميم على العناد والإصرار على الكفر ، وذلك يسوء النبيء صلى الله عليه وسلم ، ويحزنه أن لا يهتدوا ، فوجه هذا الكلام إليه تسلية له ، ويدل لذلك تعقيبه بقوله وما أرسلناك عليهم وكيلا .

[ ص: 134 ] ومعنى إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم على هذا الكناية عن مشيئة هديه إياهم الذي هو سبب الرحمة ، أو مشيئة تركهم وشأنهم ، وهذا أحسن ما تفسر به هذه الآية ، ويبين موقعها ، وما قيل غيره أراه لا يلتئم .

وأوتي بالمسند إليه بلفظ ( الرب ) مضافا إلى ضمير المؤمنين الشامل للرسول ; تذكيرا بأن الاصطفاء للخير شأن من معنى الربوبية التي هي تدبير شئون المربوبين بما يليق بحالهم ; ليكون لإيقاع المسند على المسند إليه بعد ذلك بقوله أعلم بكم وقع بديع ; لأن الذي هو الرب هو الذي يكون أعلم بدخائل النفوس وقابليتها للاصطفاء .

وهذه الجملة بمنزلة المقدمة لما بعدها وهي جملة إن يشأ يرحمكم الآية ، أي هو أعلم بما يناسب حال كل أحد من استحقاق الرحمة ، واستحقاق العذاب .

ومعنى أعلم بكم أعلم بحالكم ; لأن الحالة هي المناسبة لتعلق العلم .

فجملة إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم مبينة للمقصود من جملة ربكم أعلم بكم .

والرحمة والتعذيب مكنى بهما عن الاهتداء والضلال ، بقرينة مقارنته لقوله ربكم أعلم بكم الذي هو كالمقدمة ، وسلك سبيل الكناية بهما لإفادة فائدتين : صريحهما وكنايتهما ، ولإظهار أنه لا يسأل عما يفعل ; لأنه أعلم بما يليق بأحوال مخلوقاته ، فلما ناط الرحمة بأسبابها والعذاب بأسبابه ، بحكمته وعدله ، علم أن معنى مشيئته الرحمة أو التعذيب هو مشيئة إيجاد أسبابهما ، وفعل الشرط محذوف ، والتقدير : إن يشأ رحمتكم يرحمكم أو إن يشأ تعذيبكم يعذبكم ، على حكم حذف مفعول فعل المشيئة في الاستعمال .

وجيء بالعطف بحرف ( أو ) الدالة على أحد الشيئين ; لأن الرحمة والتعذيب لا يجتمعان ، ف ( أو ) للتقسيم .

[ ص: 135 ] وذكر شرط المشيئة هنا فائدته التعليم بأنه تعالى لا مكره له ، فجمعت الآية الإشارة إلى صفة العلم والحكمة وإلى صفة الإرادة والاختيار .

وإعادة شرط المشيئة في الجملة المعطوفة ; لتأكيد تسلط المشيئة على الحالتين .

وجملة وما أرسلناك عليهم وكيلا زيادة لبيان أن الهداية والضلال من جعل الله تعالى ، وأن النبيء غير مسئول عن استمرار من استمر في الضلالة ; إزالة للحرج عنه فيما يجده من عدم اهتداء من يدعوهم ، أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان ، وإنما أرسلناك داعيا .

والوكيل على الشيء : هو المسئول به ، والمعنى : أرسلناك نذيرا وداعيا لهم ، وما أرسلناك عليهم وكيلا ، فيفيد معنى القصر ; لأن كونه داعيا ونذيرا معلوم بالمشاهدة ، فإذا نفي عنه أن يكون وكيلا ، وملجأ آل إلى معنى : ما أنت إلا نذير .

وضمير عليهم عائد إلى المشركين ، كما عادت إليهم ضمائر على قلوبهم وما بعده من الضمائر اللائقة بهم .

و عليهم متعلق ب وكيلا ، وقدم على متعلقه ; للاهتمام ، وللرعاية على الفاصلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث