الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الميقات المكاني لأهل مكة إذا أرادوا الحج أو العمرة

جزء التالي صفحة
السابق

( 2266 ) مسألة : قال : ( وأهل مكة إذا أرادوا العمرة ، فمن الحل ، وإذا أرادوا الحج ، فمن مكة ) أهل مكة ، من كان بها ، سواء كان مقيما بها أو غير مقيم ; لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتا له ، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج ; وإن أراد العمرة فمن الحل . لا نعلم في هذا خلافا . ولذلك { أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم } . متفق عليه . وكانت بمكة يومئذ ، والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : { حتى أهل مكة يهلون منها } يعني للحج .

وقال أيضا : ( ومن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ ، حتى يأتي ذلك على أهل مكة ) . وهذا في الحج . فأما في العمرة فميقاتها في حقهم الحل ، من أي جوانب الحرم شاء ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعمار عائشة من التنعيم ، وهو أدنى الحل إلى مكة .

وقال ابن سيرين : بلغني { أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل مكة التنعيم } . وقال ابن عباس : يا أهل مكة ، من أتى منكم العمرة ، فليجعل بينه وبينها بطن محسر . يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة . وإنما لزم الإحرام من الحل ، ليجمع في النسك بين الحل والحرم ، فإنه لو أحرم من الحرم ، لما جمع بينهما فيه ، لأن أفعال العمرة كلها في الحرم ، بخلاف الحج ، فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة ، فيجتمع له الحل والحرم ، والعمرة بخلاف ذلك . ومن أي الحل أحرم جاز .

وإنما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة من التنعيم ; لأنها أقرب الحل إلى مكة . وقد روي عن أحمد ، في المكي ، كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر ، هي على قدر تعبها .

وأما إن أراد المكي الإحرام بالحج ، فمن مكة ; للخبر الذي ذكرنا ، ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما فسخوا الحج ، أمرهم فأحرموا من مكة . قال جابر : { أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما حللنا ، أن نحرم إذا توجهنا من الأبطح } . رواه مسلم . وهذا يدل على أنه لا فرق بين قاطني مكة وبين غيرهم ممن هو بها ، كالمتمتع إذا حل ، ومن فسخ حجه بها .

ونقل عن أحمد فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة ، أنه يهل بالحج من الميقات ، فإن لم يفعل ، فعليه دم . والصحيح خلاف هذا ; لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة . ويحتمل أن أحمد إنما أراد أن المتمتع يسقط عنه الدم إذا خرج إلى الميقات ، ولا يسقط إذا أحرم من مكة .

وهذا في غير المكي ، أما المكي فلا يجب عليه دم متعة بحال ; لقول الله تعالى : { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } . وذكر القاضي في من دخل مكة يحج عن غيره ، ثم أراد أن يعتمر بعده لنفسه ، أو دخل يحج لنفسه ، ثم أراد أن يعتمر لغيره ، أو دخل [ ص: 112 ] بعمرة لنفسه ، ثم أراد أن يحج أو يعتمر لغيره ، أو دخل بعمرة لغيره ، ثم أراد أن يحج أو يعتمر لنفسه ، أنه في جميع ذلك يخرج إلى الميقات ، فيحرم منه ، فإن لم يفعل ، فعليه دم .

قال : وقد قال أحمد : في رواية عبد الله : إذا اعتمر عن غيره ، ثم أراد الحج لنفسه ، يخرج إلى الميقات ، أو اعتمر عن نفسه ، يخرج إلى الميقات ، وإن دخل مكة بغير إحرام ، ثم أراد الحج ، يخرج إلى الميقات . واحتج له القاضي ، بأنه جاوز الميقات مريدا للنسك ، غير محرم لنفسه ، فلزمه دم إذا أحرم دونه ، كمن جاوز الميقات غير محرم .

وعلى هذا لو حج عن شخص واعتمر عن آخر ، أو اعتمر عن إنسان ثم حج أو اعتمر عن آخر ، فكذلك . وظاهر كلام الخرقي أنه لا يلزمه الخروج إلى الميقات في هذا كله ; لما ذكرنا من أن كل من كان بمكة كالقاطن بها ، وهذا حاصل بمكة على وجه مباح ، فأشبه المكي .

وما ذكره القاضي تحكم لا يدل عليه خبر ، ولا يشهد له أثر ، وما ذكره من المعنى فاسد لوجوه : أحدها ، أنه لا يلزم أن يكون مريدا للنسك عن نفسه حال مجاوزة الميقات ، فإنه قد يبدو له بعد ذلك . الثاني ، أن هذا لا يتناول من أحرم عن غيره . الثالث ، أنه لو وجب بهذا الخروج إلى الميقات ، للزم المتمتع والمفرد ; لأنهما تجاوزا الميقات ، مريدين لغير النسك الذي أحرما به . الرابع ، أن المعنى في الذي يجاوز الميقات غير محرم ، أنه فعل ما لا يحل له فعله ، وترك الإحرام الواجب عليه في موضعه ، فأحرم من دونه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث