الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 543 ] القول في تأويل قوله ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم )

قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد ، يخبر عباده أنه يقول لهم عند ورودهم عليه : " لقد جئتمونا فرادى " .

ويعني بقوله : " فرادى " وحدانا لا مال معهم ، ولا إناث ، ولا رقيق ، ولا شيء مما كان الله خولهم في الدنيا " كما خلقناكم أول مرة " عراة غلفا غرلا حفاة ، كما ولدتهم أمهاتهم ، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم ، لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهون به في الدنيا .

و " فرادى " جمع ، يقال لواحدها : " فرد " كما قال نابغة بني ذبيان :


من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد

[ ص: 544 ]

و " فرد " و " فريد " كما يقال : " وحد " و " وحد " و " وحيد " في واحد " الأوحاد " . وقد يجمع " الفرد " " الفراد " كما يجمع " الوحد " " الوحاد " ومنه قول الشاعر :


ترى النعرات الزرق فوق لبانه     فرادى ومثنى أصعقتها صواهله



وكان يونس الجرمي ، فيما ذكر عنه ، يقول : " فراد " جمع " فرد " كما قيل : " تؤم " و " تؤام " للجميع . ومنه : " الفرادى " و " الردافى " و " القرانى " . يقال : " رجل فرد " و " امرأة فرد " إذا لم يكن لها أخ . " وقد فرد الرجل فهو يفرد فرودا " يراد به تفرد ، " فهو فارد " .

13570 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال [ قال ابن زيد قال ] ، أخبرني عمرو : أن ابن أبي هلال حدثه : أنه سمع القرظي يقول : قرأت عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الله : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، فقالت : واسوأتاه ، إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " لا ينظر الرجال إلى النساء ، ولا النساء إلى الرجال ، شغل بعضهم عن بعض . [ ص: 545 ]

وأما قوله : " وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم " فإنه يقول : خلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها ، خلفكم في الدنيا فلم تحملوه معكم .

وهذا تعيير من الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التي كانوا يتباهون بها في الدنيا بأموالهم .

وكل ما ملكته غيرك وأعطيته : " فقد خولته " يقال منه : " خال الرجل يخال أشد الخيال " بكسر الخاء " وهو خائل " ومنه قول أبي النجم :


أعطى فلم يبخل ولم يبخل     كوم الذرى من خول المخول

[ ص: 546 ]

وقد ذكر أن أبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير :


هنالك إن يستخولوا المال يخولوا     وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا



وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

13571 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وتركتم ما خولناكم " من المال والخدم " وراء ظهوركم " في الدنيا .

التالي السابق


الخدمات العلمية