الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 51 ] فصل

في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة وثاني مرة أيضا .

وقال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني ، وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ، فيكلمني فأعي ما يقول " قالت عائشة رضي الله عنها : ولقد رأيته - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا . أخرجاه في " الصحيحين " من حديث مالك به .

ورواه الإمام أحمد عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة به نحوه وكذا رواه عبدة بن سليمان وأنس بن عياض عن هشام بن عروة . وقد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه ، عن الحارث بن هشام أنه [ ص: 52 ] قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : كيف يأتيك الوحي ؟ فذكره ، ولم يذكر عائشة .

وفي حديث الإفك ، قالت عائشة : فوالله ، ما رام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى أنه كان يتحدر منه مثل الجمان من العرق ، وهو في يوم شات من ثقل الوحي الذي ينزل عليه

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرني يونس بن سليم قال أملى علي يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري سمعت عمر بن الخطاب يقول : كان إذا نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل وذكر تمام الحديث في نزول قد أفلح المؤمنون [ المؤمنون : 1 ] وكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق ثم قال النسائي : منكر ، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم ولا نعرفه .

[ ص: 53 ] وفي " صحيح مسلم " ، وغيره من حديث الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك وتربد وجهه وفي رواية وغمض عينيه وكنا نعرف ذلك منه .

وفي " الصحيحين " حديث زيد بن ثابت حين نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين [ النساء : 95 ] فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت : غير أولى الضرر [ النساء : 95 ] ، قال : وكانت فخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فخذي ، وأنا أكتب ، فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي

وفي " صحيح مسلم " من حديث همام بن يحيى عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن يعلى بن أمية قال قال لي عمر : أيسرك أن تنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يوحى إليه ؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه ، وهو يوحى إليه بالجعرانة ، فإذا هو محمر الوجه ، وهو يغط كما يغط البكر وثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة لما نزل الحجاب ، وإن [ ص: 54 ] سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا ، فقال عمر : قد عرفناك يا سودة ، فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته ، وهو جالس يتعشى ، والعرق في يده ، فأوحى الله إليه ، والعرق في يده ، ثم رفع رأسه ، فقال : " إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن " . فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية ; بدليل أنه جالس لم يسقط ، ولم يسقط العرق أيضا من يده ، صلوات الله وسلامه دائما عليه .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا عباد بن منصور حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك جسده ووجهه ، وأمسك عن أصحابه ، ولم يكلمه أحد منهم

وفي مسند أحمد وغيره ، من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قلت : يا رسول الله ، هل تحس بالوحي ؟ قال : " نعم ، أسمع صلاصل ، ثم أثبت عند ذلك ، وما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيظ منه "

[ ص: 55 ] وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم بن كليب حدثنا أبي ، عن خاله الفلتان بن عاصم قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه ، وكان إذا أنزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه ، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل

وروى أبو نعيم من حديث قتيبة حدثنا علي بن غراب عن الأحوص بن حكيم عن أبي عون عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي صدع ، وغلف رأسه بالحناء هذا حديث غريب جدا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية شيبان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ، قالت إني لآخذة بزمام [ ص: 56 ] العضباء ; ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ نزلت عليه المائدة كلها ، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة وقد رواه أبو نعيم من حديث الثوري عن ليث بن أبي سليم به .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " سورة المائدة " ، وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله ، فنزل عنها . وروى ابن مردويه من حديث صباح بن سهل عن عاصم الأحول ، حدثتني أم عمرو ، عن عمها ، أنه كان في مسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت عليه سورة " المائدة " فاندق عنق الراحلة من ثقلها . وهذا غريب من هذا الوجه .

ثم قد ثبت في " الصحيحين " نزول سورة " الفتح " على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرجعه من الحديبية ، وهو على راحلته ، فكأنه يكون تارة وتارة ، بحسب الحال . والله أعلم . وقد ذكرنا أنواع الوحي إليه - صلى الله عليه وسلم - في أول " شرح البخاري " ، وما ذكره الحليمي وغيره من الأئمة رضي الله عنهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث