الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ما قاله السلف في حسن الخلق وشرح ماهيته :

اعلم أنه روي عنهم في ذلك ما هو كالثمرة والغاية ، من ذلك ما قاله " الحسن " رحمه الله : " حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى " ، وقال " الواسطي " : " وهو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى " . وقال أيضا : " هو إرضاء الخلق في السراء والضراء " . وقيل غير ذلك مما هو من ثمرات حسن الخلق .

وأما حقيقة الخلق فهي هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية ، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا ، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا . وإنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر عنه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم [ ص: 177 ] يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ . وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية ؛ لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال : خلقه السخاء والحلم .

وأمهات الأخلاق وأصولها أربعة : الحكمة ، والشجاعة ، والعفة ، والعدل .

ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأحوال الاختيارية .

ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة ، بها يسوس الغضب والشهوة ، ويحملها على مقتضى الحكمة ، ويضبطها في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها .

ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها .

ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع .

فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها ، وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين ، فقال تعالى : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) [ الحجرات : 15 ] فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هي القوة اليقين ، وهي ثمرة العقل ومنتهى الحكمة ، والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة ، والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحد الاعتدال ، فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29 ] إشارة إلى أن للشدة موضعا وللرحمة موضعا ، فليس الكمال في الشدة بكل حال ولا في الرحمة بكل حال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث