الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم صلاة العيدين وكيفيتها

جزء التالي صفحة
السابق

( وهي ركعتان ) إجماعا وحكمها في الأركان والشروط كغيرها من الصلوات ( فيحرم بها ) بنية صلاة عيد الفطر أو الأضحى كما مر ( ثم ) بعد تكبيرة التحرم ( يأتي ) ندبا ( بدعاء الافتتاح ) كغيرها ( ثم بسبع تكبيرات ) لخبر رواه الترمذي وحسنه أنه صلى الله عليه وسلم { كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبلها } وعلم من كلام المصنف أن تكبيرة الإحرام غير محسوبة من السبعة ( يقف ) ندبا ( بين كل ثنتين ) منها ( كآية معتدلة ) أي لا طويلة ولا قصيرة ، وضبطه أبو علي في شرح التلخيص : بقدر سورة الإخلاص ; ولأن سائر التكبيرات [ ص: 388 ] المشروعة في الصلاة يعقبها ذكر مسبوق فكذلك هذه التكبيرات ( يهلل ) أي يقول لا إله إلا الله ( ويكبر ) أي يقول الله أكبر ( ويمجد ) أي يعظم الله روى ذلك البيهقي عن ابن مسعود قولا وفعلا ( ويحسن ) في ذلك كما قاله الجمهور أن يقول ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) ; لأنه لائق بالحال وهي الباقيات الصالحات في قول ابن مسعود وجماعة ، ولو زاد على ذلك جاز كما ذكره في البويطي ، ولو قال ما اعتاده الناس وهو : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد تسليما كثيرا لكان حسنا ، قاله ابن الصباغ ( ثم ) بعد التكبيرة الأخيرة ( يتعوذ ) ; لأنه لافتتاح القراءة ( ويقرأ ) الفاتحة كغيرها ، وسيأتي ما يقرؤه بعدها ( ويكبر في ) الركعة ( الثانية ) بعد تكبيرة القيام ( خمسا ) بالصفة السابقة ( قبل ) التعوذ ، و ( القراءة ) للخبر المار ، ولو اقتدى بحنفي كبر ثلاثا ، أو مالكي كبر ستا تابعه ، ولم يزد عليه مع أنها سنة ليس في الإتيان بها مخالفة فاحشة ، بخلاف تكبيرات الانتقالات وجلسة الاستراحة ونحو ذلك فإنه يأتي به ، وعللوه بما ذكرناه من عدم المخالفة [ ص: 389 ] الفاحشة ، ولعل الفرق أن تكبيرات الانتقالات مجمع عليها فكانت آكد ، وأيضا فإن الاشتغال بالتكبيرات هنا قد يؤدي إلى عدم سماع قراءة الإمام بخلاف التكبير في حال الانتقال .

وأما جلسة الاستراحة فلثبوت حديثها في الصحيحين حتى لو ترك إمامه هنا جميع التكبيرات لم يأت بها ( ويجهر ) للاتباع ( ويرفع يديه ) استحبابا ( في الجميع ) من السبع والخمس كغيرها من معظم تكبيرات الصلاة ، ويستحب له وضع يمناه على يسراه تحت صدره بين كل تكبيرتين كما في تكبيرة التحرم ويأتي في إرسالهما ما مر ، ولو شك في عدد التكبيرات أخذ بالأقل كعدد الركعات ، [ ص: 390 ] ولو كبر ثمانيا وشك هل نوى الإحرام في واحدة منها استأنف الصلاة ، إذ الأصل عدم ذلك أو شك في أيها أحرم جعلها الأخيرة وأعادهن احتياطا .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : بنية صلاة عيد الفطر أو الأضحى ) قال حج مطلقا ، ومعنى الإطلاق سواء كانت مؤداة أو مقضية ( قوله ثم بسبع تكبيرات ) عبارة المناوي في شرحه الكبير للجامع عند قوله صلى الله عليه وسلم التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة نصها : قال بعض الأعاظم : حكمة هذا العدد أنه لما كان للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد ، وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وترا وجعل سبعا في الأولى كذلك ، وتذكيرا بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقا ، إليها ; لأن النظر إلى العدد الأكبر أكثر ، وتذكيرا يخالف هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السموات السبع والأرضين السبع وما فيها من الأيام السبع ; لأنه خلقهما في ستة أيام وخلق آدم عليه الصلاة والسلام في السابع يوم الجمعة ، ولما جرت عادة الشارع صلى الله عليه وسلم بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت الخمسة أقرب وترا إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمسا لذلك ا هـ ( قوله يقف بين كل ثنتين ) قال عميرة : يستفاد منه أنه لا يقوله عقب السابعة والخامسة ولا بين تكبيرة الإمام والأولى ولا عقب قيام الثانية قبل أولى الخمس ا هـ .

وصرح بكل ذلك في شرح الروض ا هـ سم على منهج ( قوله : منها ) أي السبع والخمس ( قوله : بقدر سورة الإخلاص ) هذا قد يدل على أنهم لم يريدوا حقيقة الآية الواحدة ; لأن سورة الإخلاص آيات متعددة ا هـ سم على حج .

وقد يقال : تعددها [ ص: 388 ] لا ينافي ما قالوه فإن آياتها قصار ، وقد يقال : إن مجموعها لا يزيد على آية معتدلة ( قوله : يعقبها ذكر مسنون ) أي في الجملة ، وإلا فالقيام من السجدة الأخيرة يعقبه التشهد الأخير وهو واجب .

ومن الذكر المسنون أيضا التعوذ بعد التكبير من قيام السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة ( قوله : أي يعظم الله ) زاد حج بالتسبيح والتحميد ( قوله : قولا ) أي بأنه قول إلخ ( قوله : ولو زاد على ذلك جاز ) أي من ذكر آخر بحيث لا يطول به الفصل عرفا بين التكبيرات ، ومن ذلك الجائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( قوله : ولو قال ما اعتاده ) أي بدل ما قاله المصنف ولعله في زمنه ، وعبارة الروض وشرحه : ويذكر الله بينهما بالمأثور : أي المنقول .

وذكر من المنقول عن الصيدلاني عن بعض الأصحاب أنه يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير .

وعن المسعودي أنه يقول : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ا هـ . والظاهر أن مراده بالمنقول ما ورد من الأذكار وإن لم يكن في خصوص ما الكلام فيه فلا يتقيد بالأذكار الواردة هنا ، وهو مقتضى إطلاق المتن حيث قال : يقف بين كل إلخ ، ولم يقيده بذكر مخصوص ، وعليه فلو فصل بينها بذكر وترجم عنه بغير العربية عند العجز جاز كما قيل به في الأذكار الواردة عقب التشهد ( قوله : ويكبر في الثانية خمسا ) لو أدرك الإمام في الثانية : أي بعد التكبيرة الثانية من الركعة الأولى فعل معه الخمس وفي ثانيته يفعل الخمس أيضا ا هـ سم على منهج ( قوله : أو مالكي كبر ستا تابعه ) قال سم على حج : أي ندبا ا هـ .

وظاهره أنه يتابع الحنفي ولو أتى به بعد قراءة الفاتحة ووالاه ، وهو مشكل بناء على أن العبرة باعتقاد المأموم ، وهو يرى أن هذه التكبيرات ليست مطلوبة وأن الرفع فيها عند الموالاة مبطل ; لأنه تحصل به أفعال كثيرة متوالية ، فالقياس أنه لا يطلب منه تكبير وأن الإمام إذا والى بين الرفع وجبت مفارقته قبل تلبسه بالمبطل عندنا ، ومنه ما لو رفع يديه ثلاثا متوالية فإن صلاته تبطل بذلك ولو سهوا ; لأن سهو الفعل كعمده في البطلان بالكثير منه .

وقال حج : والأوجه أنه لا يتابعه إلا إن أتى بما يعتقده أحدهما ، وإلا فلا وجه لمتابعته حينئذ ا هـ .

وكتب عليه سم كلامهم كالصريح في أنه يتابعه في النقص وإن لم يعتقده واحد منهما ا هـ .

وتصوير الشارح بقوله : ولو اقتدى بحنفي إلخ يشعر بموافقة حج ، وبقي ما لو زاد إمامه على السبع أو الخمس هل يتابعه أو لا ؟ فيه نظر .

وينبغي له عدم متابعته [ ص: 389 ] لأن الزيادة على السبع والخمس غير مطلوبة ، ومع ذلك لو تابعه فيها بلا رفع لم يضر لأنه مجرد ذكر ، وعدم طلب الزيادة فيما ذكر يستفاد من قول حج ، والأوجه أنه لا يتابعه إلا إن أتى بما يعتقده أحدهما ( قوله : حتى لو ترك إمامه هنا جميع التكبيرات ) ويمكن أن يفرق بين هذا وما صرحوا به في صلاة الجماعة أنه لو اقتدى مصلي العيد بمصلي الصبح مثلا أتى بالتكبيرات باتحاد صلاة المأموم هنا واختلافها هناك فكان لكل حكمه ; لأن المخالفة مع اتحاد الصلاة تفحش وتعد افتياتا عليه بخلافها مع اختلافهما ا هـ سم على حج ( قوله : لم يأت بها ) أي سواء كان تركه لها عمدا أو سهوا أو جهلا لمحله ، ثم ما ذكر من أنه لا يأتي به إذا تركه إمامه يشكل بما لو ترك الإمام دعاء الافتتاح وشرع في القراءة فإن المأموم يأتي به ، اللهم إلا أن يقال : إن دعاء الافتتاح سنة من الصلاة لا فيها وهو آكد من التكبير فطلب مطلقا .

ثم رأيت في حج ما نصه : ويفرق بين ما هنا وعدم فوات نحو الافتتاح بشروع الإمام في الفاتحة بأنه شعار خفي لا يظهر به مخالفة بخلافها فإنه شعار ظاهر لندب الجهر بها والرفع فيها كما مر ، ففي الإتيان بها أو ببعضها بعد شروع الإمام في الفاتحة مخالفة له ، ويؤيده أنه لو اقتدى بمخالف فتركها تبعه أو دعاء الافتتاح لم يتبعه ا هـ ما ذكره شيخنا ، وما ذكرناه أوضح لأن ما ذكره قد يرد عليه أن الرفع والجهر سنتان زائدتان على التكبير وحيث عرض ما يقتضي تركهما تركا وجيء بالأصل وهو التكبير سرا ( قوله : ويرفع يديه ) قضية ذلك أن استحباب هذه التكبيرات مع رفع اليدين شامل لما إذا فرقها بذلك وما إذا والاها ، وقضية ذلك أن موالاة رفع اليدين معها لا يضر مع أنه أعمال كثيرة متوالية ووجهه كما وافق عليه م ر أن هذا الرفع والتحريك مطلوب في هذا المحل فلذا لم يكن مضرا ، لكن لعل الأوجه ما اعتمده شيخنا في شرح المنهاج مما يفيد البطلان في مثل ذلك فراجعه ا هـ سم على منهج .

وقوله مما يفيد البطلان ضعيف ، وعبارة حج : ولو اقتدى بحنفي والى التكبير والرفع لزمه مفارقته كما هو ظاهر ، لأن العبرة باعتقاد المأموم وليس كما مر في سجدة الشكر ; لأن المأموم يرى مطلق السجود في الصلاة ولا يرى التوالي المبطل فيها اختيارا أصلا .

نعم لا بد من تحققه للموالاة لانضباطها بالعرف وهو مضطرب في مثل ذلك ويظهر ضبطه بأن لا يستقر العضو بحيث ينفصل رفعه عن هويه حتى لا يسميان حركة واحدة انتهى .

وكتب عليه سم قوله لزمه : أي مفارقته .

أقول : هو غير بعيد وإن خالف م ر محتجا بالقياس على التصفيق المحتاج إليه إذا كثر وتوالى إلى آخر ما ذكر فليراجع ا هـ .

والأقرب ما قاله م ر ، إذ غايته أنه ترك سنة وهي الفصل بين التكبيرات وأتى بالتكبير الذي هو مطلوب منه ، ويمكن حمل كلام حج على ما لو والى بين التكبير والرفع بعد القراءة فإن البطلان فيه قريب كما قدمناه أيضا ( قوله : من معظم تكبيرات الصلاة ) في تعبيره بالمعظم نظر ، إذ الرفع إنما هو في التحرم والهوي للركوع والقيام من التشهد الأول ، والتكبير فيها ليس أكثر من باقي التكبيرات ولا مساويا .

اللهم إلا أن يقال : جعل ما عدا ما ذكر كأنه شيء واحد لتعلقه بالسجود ( قوله : كما في تكبيرة التحرم ) أي كما يفعل بعد الرفع في تكبيرة التحرم ( قوله : ويأتي في إرسالهما ما مر ) أي من أنه لا بأس به ، إذ المقصود عدم العبث [ ص: 390 ] بهما ، وهو حاصل مع الإرسال وإن كانت السنة وضعهما تحت صدره ( قوله : أو شك في أيها ) أي في أيها نوى به الإحرام ( قوله : وأعادهن احتياطا ) أي التكبيرات السبع



حاشية المغربي

[ ص: 387 ] قوله : ولأن سائر التكبيرات ) لا محل له هنا وإنما محله بعد قوله والله أكبر على أن الواو فيه لا معنى لها ، وعبارة [ ص: 388 ] شرح الروض عملا بما عليه السلف والخلف : ولأن سائر التكبيرات إلخ ( قوله : مع أنها ) أي التكبيرات ، وقوله : ليس في الإتيان بها : أي لو أتى بها بأن زاد على ما أتى الإمام ومع ذلك أمرناه بالمتابعة وعدم الزيادة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث