الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 251 ] الغصب .

( أخبرنا الربيع بن سليمان ) قال : ( قال الشافعي ) إذا شق الرجل للرجل ثوبا شقا صغيرا أو كبيرا يأخذ ما بين طرفيه طولا وعرضا ، أو كسر له متاعا فرضه أو كسره كسرا صغيرا أو جنى له على مملوك فأعماه أو قطع يده أو شجه موضحة فذلك كله سواء ويقوم المتاع كله والحيوان كله غير الرقيق صحيحا ومكسورا وصحيحا ومجروحا قد برأ من جرحه ثم يعطى مالك المتاع والحيوان فضل ما بين قيمته صحيحا ومكسورا ومجروحا فيكون ما جرى عليه من ذلك ملكا له نفعه أو لم ينفعه ، ولا يملك أحد بالجناية شيئا جنى عليه ، ولا يزول ملك المالك إلا أن يشاء ، ولا يملك رجل شيئا إلا أن يشاء إلا في الميراث فأما من جنى عليه من العبيد فيقومون صحاحا قبل الجناية ثم ينظر إلى الجناية فيعطون أرشها من قيمة العبد صحيحا كما يعطى الحر أرش الجناية عليه من ديته بالغا من ذلك ما بلغ ، وإن كانت قيما كما يأخذ الحر ديات وهو حي قال الله - عز وجل - { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقال { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا } فلم أعلم أحدا من المسلمين خالف في أنه لا يكون على أحد أن يملك شيئا إلا أن يشاء أن يملكه إلا الميراث فإن الله - عز وجل - نقل ملك الأحياء إذا ماتوا إلى من ورثهم إياه شاءوا أو أبوا .

ألا ترى أن الرجل لو أوصي له أو وهب له أو تصدق عليه أو ملك شيئا لم يكن عليه أن يملكه إلا أن يشاء ، ولم أعلم أحدا من المسلمين اختلفوا في أن لا يخرج ملك المالك المسلم من يديه إلا بإخراجه إياه هو نفسه ببيع أو هبة أو غير ذلك أو عتق أو دين لزمه فيباع في ماله ، وكل هذا فعله لا فعل غيره قال فإذا كان الله - عز وجل - حرم أن تكون أموال الناس مملوكة إلا ببيع عن تراض وكان المسلمون يقولون فيما وصفت ما وصفت فمن أين غلط أحد في أن يجني على مملوكي فيملكه بالجناية وآخذ أنا قيمته وهو قبل الجناية لو أعطاني فيه أضعاف ثمنه لم يكن له أن يملكه إلا أن يشاء ، ولو وهبته له لم يكن عليه أن يملكه إلا أن يشاء فإذا لم يملكه بالذي يجوز ويحل من الهبة إلا بمشيئته ، ولم يملك علي بالذي يحل من البيع إلا أن أشاء فكيف ملكه حين عصى الله - عز وجل - فيه فأخرج من يدي ملكي بمعصية غيري لله وألزم غيري ما لا يرضى ملكه إن كان أصابه خطأ وكيف إن كانت الجناية توجب لي شيئا واخترت حبس عبدي سقط الواجب لي وكيف إن كانت الجناية تخالف حكم ما سوى ما وجب لي ولي حبس عبدي ، وأخذ أرشه ومتاعي ، وأخذ ما نقصه إذا كان ذلك غير مفسد له فإن جنى عليه ما يكون مفسدا له فزاد الجاني معصية لله وزيد علي في مالي ما يكون مفسدا له سقط حقي حين عظم وثبت حين صغر وملك حين عصى وكبرت معصيته ، ولا يملك حين عصى فصغرت معصيته ما ينبغي أن يستدل أحد على خلاف هذا القول لأصل حكم الله .

وما لا يختلف المسلمون فيه من أن المالكين على أصل ملكهم ما كانوا أحياء حتى يخرجوا هم الملك من أنفسهم بقول أو فعل بأكثر من أن يحكي فيعلم أنه خلاف ما وصفنا من حكم الله - عز وجل - وإجماع المسلمين والقياس والمعقول ثم شدة تناقضه هو في نفسه . قال : وإذا غصب الرجل جارية تسوى مائة فزادت في يديه بتعليم [ ص: 252 ] منه وسن واغتذاء من ماله حتى صارت تساوي ألفا ثم نقصت حتى صارت تساوي مائة ثم أدركها المغصوب في يده أخذها وتسعمائة معها كما يكون لو غصبه إياها وهي تساوي ألفا فأدركها وهي تساوي مائة أخذها وما نقصها وهي تسعمائة . قال : وكذلك إن باعها الغاصب أو وهبها أو قتلها أو استهلكها فلم تدرك بعينها كانت على الغاصب قيمتها في أكثر ما كانت قيمة منذ غصبت إلى أن هلكت وكذلك ذلك في البيع إلا أن رب الجارية يخير في البيع فإن أحب أخذ الثمن الذي باع به الغاصب كان أكثر من قيمتها أو أقل ; لأنه ثمن سلعته أو قيمتها في أكثر ما كانت قيمة قط .

( قال الشافعي ) بعد : ليس له إلا جاريته والبيع مردود ; لأنه باع ما ليس له وبيع الغاصب مردود فإن قال قائل : وكيف غصبها بثمن مائة وكان لها ضامنا وهي تساوي مائة ثم زادت حتى صارت تساوي ألفا ، وهي في ضمان الغاصب ثم ماتت أو نقصت ضمنته قيمتها في حال زيادتها ؟ قيل له إن شاء الله - تعالى - لأنه لم يكن غاصبا ، ولا ضامنا ، ولا عاصيا في حال دون حال لم يزل غاصبا ضامنا عاصيا من يوم غصب إلى أن فاتت أو ردها ناقصة فلم يكن الحكم عليه في الحال الأولى بأوجب منه في الحال الثانية ، ولا في الحال الثانية بأوجب منه في الحال الآخرة ; لأن عليه في كلها أن يكون رادا لها ، وهو في كلها ضامن عاص فلما كان للمغصوب أن يغصبها قيمة مائة فيدركها قيمة ألف فيأخذها ويدركها ، ولها عشرون ولدا فيأخذها وأولادها ، كان الحكم في زيادتها في بدنها وولدها كالحكم في بدنها حين غصبها يملك منها زائدة بنفسها وولدها ما ملك منها ناقصة حين غصبها ، ولا فرق بين أن يقتلها وولدها أو تموت هي وولدها في يديه من قبل أنه إذا كان كما وصفت يملك ولدها كما يملكها لا يختلف أحد علمته في أنه لو غصب رجل جارية فماتت في يديه موتا أو قتلها قتلا ضمنها في الحالين جميعا كذلك .

قال : وإذا غصب الرجل الرجل جارية فباعها فماتت في يد المشتري فالمغصوب بالخيار في أن يضمن الغاصب قيمة جاريته في أكثر ما كانت قيمة من يوم غصبها إلى أن ماتت فإن ضمنه فلا شيء للمغصوب على المشتري ، ولا شيء للغاصب على المشتري إلا قيمتها إلا الثمن الذي باعها به أو يضمن المغصوب المشتري فإن ضمنه فهو ضامن لقيمة جارية المغصوب لأكثر ما كانت قيمة من يوم قبضها إلى أن ماتت في يده ويرجع المشتري على الغاصب بفضل ما ضمنه المغصوب من قيمة الجارية على قيمتها يوم قبضها المشتري وبفضل ممن إن كان قبضه منه على قيمتها حتى لا يلزمه في حال إلا قيمتها . قال : وإن أراد المغصوب إجازة البيع لم يجز ; لأنها ملكت ملكا فاسدا ، ولا يجوز الملك الفاسد إلا بتجديد بيع وكذلك لو ماتت في يدي المشتري فأراد المغصوب أن يجيز البيع لم يجز وكان للمغصوب قيمتها ، ولو ولدت في يدي المشتري أولادا فمات بعضهم وعاش بعضهم خير المغصوب في أن يضمن الغاصب أو المشتري فإن ضمن الغاصب لم يكن له سبيل على المشتري وإن ضمن المشتري وقد ماتت الجارية رجع عليه بقيمة الجارية ومهرها وقيمة أولادها يوم سقطوا أحياء ، ولا يرجع عليه بقيمة من سقط منهم ميتا ، ورجع المشتري على البائع بجميع ما ضمنه المغصوب لا قيمة الجارية ومهرها فقط .

ولو وجدت الجارية حية أخذها المغصوب رقيقا له وصداقها ، ولا يأخذ ولدها ، قال فإن كان الغاصب هو أصابها فولدت منه أولادا فعاش بعضهم ومات بعض أخذ المغصوب الجارية وقيمة من مات من أولادها في أكثر ما كانوا قيمة والأحياء فاسترقهم ، وليس الغاصب في هذا كالمشتري . المشتري مغرور ، والغاصب لم يغره إلا نفسه وكان على الغاصب إن لم يدع الشبهة الحد ، ولا مهر عليه .

( قال الربيع ) : فإن كانت الجارية أطاعت الغاصب وهي تعلم أنها حرام عليه ، وأنه زان بها فلا مهر ; لأن هذا مهر بغي وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي وإن كانت تظن هي [ ص: 253 ] أن الوطء حلال فعليه مهر مثلها وإن كانت مغصوبة على نفسها فلصاحبها المهر وهو زان وولده رقيق .

فإن قال قائل : أرأيت المغصوب إذا اختار إجازة البيع لم لم يجز البيع ؟ قيل له - إن شاء الله تعالى - : البيع إنما يلزم برضا المالك والمشتري ألا ترى أن المشتري وإن كان رضي بالبيع فللمغصوب جاريته كما كانت لو لم يكن فيها بيع ، وأنه لا حكم للبيع في هذا الموضع إلا حكم الشبهة ، وأن الشبهة لم تغير ملك المغصوب فإذا كان للمغصوب أخذ الجارية ، ولم ينفع البيع المشتري فهي على الملك الأول للمغصوب وإذا كان المشتري لا يكون له حبسها ، ولو علم أنه باعها غاصب غير موكل استرق ولده فلا ينبغي أن يذهب على أحد أنه لا يجوز على المشتري إجازة البيع إلا بأن يحدث المشتري رضا بالبيع فيكون بيعا مستأنفا فإن شبه على أحد بأن يقول إن رب الجارية لو كان أذن ببيعها لزم البيع فإذا أذن بعد البيع فلم لا يلزم ؟ قيل له - إن شاء الله تعالى - : إذنه قبل البيع إذا بيعت بقطع خياره ، ولا يكون له رد الجارية وتكون الجارية لمن اشتراها ، ولو أولدها لم يكن له قيمة ولدها ; لأنها جارية للمشتري وحلال للمشتري الإصابة والبيع والهبة والعتق فإذا بيعت بغير أمره فله رد البيع ، ولا يكون له رد البيع إلا والسلعة لم تملك وحرام على البائع البيع وحرام على المشتري الإصابة لو علم ويسترق ولده فإذا باعها أو أعتقها لم يجز بيعه ، ولا عتقه فالحكم في الإذن قبل البيع أن المأذون له في البيع كالبائع المالك ، وأن الإذن بعد البيع إنما هو تجديد بيع ، ولا يلزم البيع المجدد إلا برضا البائع والمشتري وهكذا كل من باع بغير وكالة أو زوج بغير وكالة لم يجز أبدا إلا بتجديد بيع أو نكاح . فإن قال قائل لم ألزمت المشتري المهر ووطؤه في الظاهر كان عنده حلالا وكيف رددته بالمهر وهو الواطئ ؟ قيل له - إن شاء الله تعالى - : أما إلزامنا إياه المهر فلما كان من حق الجماع إذا كان بشبهة يدرأ فيه الحد في الأمة والحرة أن يكون فيه مهر كان هذا جماعا يدرأ به الحد ويلحق به الولد للشبهة ، فإن قال : فإنما جامع ما يملك عند نفسه قلنا فتلك الشبهة التي درأنا بها الحد ، ولم نحكم له فيها بالملك ; لأنا نردها رقيقا ونجعل عليه قيمة الولد ، والولد إذا كانوا بالجماع الذي أراه له مباحا فألزمناه قيمتهم كان الجماع بمنزلة الولد أو أكثر ; لأن الجماع لازم وإن لم يكن ولد فإذا ضمناه الولد ; لأنهم بسبب الجماع كان الجماع أولى أن نضمنه إياه وتضمين الجماع هو تضمين الصداق .

فإن قال قائل : وكيف ألزمته قيمة الأولاد الذين لم يدركهم السيد إلا موتى ؟ قيل له لما كان السيد يملك الجارية ، وكان ما ولدت مملوكا يملكها إذا وطئت بغير شبهة فكان على الغاصب ردهم حين ولدوا فلم يردهم حتى ماتوا ضمن قيمتهم كما يضمن قيمة أمهم لو ماتت ، ولما كان المشتري وطئها بشبهة كان سلطان المغصوب عليهم فيما يقوم مقامهم حين ولدوا فقد ثبتت له قيمتهم فسواء ماتوا أو عاشوا ; لأنهم لو عاشوا لم يسترقوا . قال : وإذا اغتصب الرجل الجارية ثم وطئها بعد الغصب وهو من غير أهل الجهالة أخذت منه الجارية والعقر وأقيم عليه حد الزنا فإن كان من أهل الجهالة ، وقال : كنت أراني لها ضامنا ، وأرى هذا محل عذر لم يحد وأخذت منه الجارية والعقر .

قال : وإذا غصب الرجل الجارية فباعها فسواء باعها في الموسم أو على منبر أو تحت سرداب حق المغصوب فيها في هذه الحالات سواء فإن جنى عليها أجنبي في يدي المشتري أو الغاصب جناية تأتي على نفسها أو بعضها فأخذ الذي هي في يديه أرش الجناية ثم استحقها المغصوب فهو بالخيار في أخذ أرش الجناية من يدي من أخذها إذا كانت نفسا أو تضمينه قيمتها على ما وصفنا ، وإن كانت جرحا فهو بالخيار في أخذ أرش الجرح من الجاني والجارية من الذي هي في يديه أو تضمين الذي هي في يديه ما نقصها الجرح بالغا ما بلغ وكذلك إن كان المشتري قتلها أو جرحها فإن كان الغاصب قتلها فلمالكها عليه الأكثر من قيمتها يوم قتلها أو قيمتها في أكثر ما كانت قيمة ; لأنه لم يزل لها ضامنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث