الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب النفقات .

عن عروة عن عائشة قالت جاءت هند إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يذلهم الله من أهل خبائك ، وما على ظهر الأرض اليوم أهل خباء أحب إلي أن يعزهم الله من أهل خبائك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأيضا والذي نفسي بيده ثم قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف ، وفي رواية لمسلم رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ، ويكفي بني إلا ما آخذه من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ، ويكفي بنيك .

التالي السابق


باب النفقات .

الحديث الأول .

عن عروة عن عائشة قالت جاءت هند إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما كان على وجه الأرض خباء أحب إلي من أن يذلهم الله من أهل خبائك ، وما على ظهر الأرض اليوم أهل خباء أحب إلي أن يعزهم الله من أهل خبائك ، فقال رسول [ ص: 170 ] الله صلى الله عليه وسلم ، وأيضا ، والذي نفسي بيده ، ثم قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف . (فيه) فوائد :

(الأولى) أخرجه من هذا الوجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي من طريق عبد الرزاق عن معمر بلفظ ممسك ، وليس في رواية أبي داود ، والنسائي قصة الخباء ، وأخرجه البخاري من طريق يونس ، ومن طريق شعيب بن أبي حمزة ، وأخرجه مسلم أيضا من طريق محمد بن عبد الله بن أخي الزهري ، ولفظ يونس ، وابن أخي الزهري فقال لا إلا بالمعروف كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة ، وأخرجه الأئمة الستة خلا الترمذي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، ولفظ مسلم رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما آخذه من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ، ويكفي بنيك [ ص: 171 ] فأورده البخاري في مواضع أخصر من هذا .

(الثانية) (هند) هي بنت عتبة بن ربيعة زوج أبي سفيان صخر بن حرب كما هو مصرح بنسبها في رواية للشيخين ، وفي لفظها وجهان مشهوران الصرف ، وعدمه .

(الثالثة) قولها ما كان على ظهر الأرض خباء بكسر الخاء المعجمة ممدود كذا رويناه عن والدي رحمه الله ، وهو في صحيح مسلم بلفظ أهل خباء ، ولا بد من تقدير " أهل " في روايتنا بدليل قوله (يذلهم) إن صح حذفه في روايتنا ، وهو مذكور في الألفاظ الثلاثة التي بعدها قال القاضي عياض إن أرادت به نفسه عليه السلام فكنت عنه بهذا ، وأكبرته عن مخاطبته وتعيينه ، ويحتمل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته ، والخباء يعبر به عن مسكن الرجل ، وداره انتهى .

وقال في المشارق هو بيت من بيوت العرب قال أبو عبيد يكون من وبر أو صوف ، ولا يكون من شعر ثم يستعمل في غيره من مساكنهم .

وقال القرطبي أي أهل بيت كما جاء مفسرا في بعض طرقه ، وسمي البيت خباء لأنه يخبئ ما فيه ، والخباء في الأصل مصدر تقول خبأت الشيء خبئا وخباء انتهى .

وفي المحكم عن ابن دريد أصله من خبأت خباء قال : ولم يقل أحد أن الخبأ أصله الهمز إلا هو بل قد صرح بخلاف ذلك انتهى قال القرطبي ، ووصف هند في هذا الحديث جاء لها في الكفر ، وما كانت عليه من بغض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبغض أهل بيته ، وما آبت إليه حالها لما أسلمت ، تذكر لنعمة الله عليها بما أنقذها الله منه ، وبما أوصلها إليه ، وتعظيم لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولتنبسط فيما تريد أن تسأل عنه ، ولتزول آلام القلوب لما كان منها يوم أحد في شأن حمزة وغير ذلك .

(الرابعة) قوله عليه الصلاة والسلام : وأيضا والذي نفسي بيده أي ستزيدين من ذلك ويتمكن الإيمان من قلبك ، ويزيد حبك لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقوى رجوعك عن بغضه . وأصل هذه اللفظ آض يئيض أيضا إذا رجع ، وفي هذا بشرى لها بقوة إيمانها وتمكنه ومنقبة لها بذلك .

(الخامسة) قولها (إن أبا سفيان رجل مسيك) أي شحيح كما في الرواية الأخرى ، والشح عندهم في كل شيء ، وهو أعم من البخل ، وقيل الشح لازم كالطبع ، وضبطت هذه اللفظة بوجهين حكاهما القاضي عياض (أحدهما) مسيك بفتح الميم وتخفيف السين ، والثاني بكسر الميم وتشديد [ ص: 172 ] السين قال القاضي عياض : وكانوا يرجحون فتح الميم ، والآخر جائز على المبالغة كما قالوا : شريب وسكير ، والأول أيضا من أبنية جمع المبالغة ، وقال النووي : وهذا الثاني هو الأشهر في روايات المحدثين ، والأول أصح عند أهل العربية قال أبو العباس القرطبي : ولم ترد أنه شحيح مطلقا فتذمه بذلك ، وإنما وصفت معها فإنه كان يقتر عليها ، وعلى أولادها كما قالت لا يعطيني وبني ما يكفيني ، وهذا لا يدل على البخل مطلقا فقد يفعل الإنسان هذا مع أهل بيته لأنه يرى غيرهم أحوج منهم ، وأولى ليعطي غيرهم ، وعلى هذا فلا يجوز أن يستدل به على أن أبا سفيان كان بخيلا فإنه لم يكن معروفا بهذا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث