الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النصوص الواردة المتنوعة في إثبات العلو

والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه ، وكونه فوق عباده ، التي تقرب من عشرين نوعا :

[ ص: 381 ] أحدها : التصريح بالفوقية مقرونا بأداة ( ( من ) ) المعينة للفوقية بالذات ، كقوله تعالى : يخافون ربهم من فوقهم [ النحل : 50 ] .

الثاني : ذكرها مجردة عن الأداة ، كقوله : وهو القاهر فوق عباده [ الأنعام : 18 و 61 ] .

الثالث : التصريح بالعروج إليه نحو : تعرج الملائكة والروح إليه [ المعارج : 4 ] . وقوله صلى الله عليه وسلم : فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم .

الرابع : التصريح بالصعود إليه . كقوله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب [ فاطر : 10 ] .

الخامس : التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه ، كقوله تعالى : بل رفعه الله إليه [ النساء : 158 ] . وقوله : إني متوفيك ورافعك إلي [ آل عمران : 55 ] .

[ ص: 382 ] السادس : التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ، ذاتا وقدرا وشرفا ، كقوله تعالى : وهو العلي العظيم [ البقرة : 255 ] . وهو العلي الكبير [ سبأ : 23 ] . إنه علي حكيم [ الشورى : 51 ] .

السابع : التصريح بتنزيل الكتاب منه ، كقوله تعالى : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم [ الزمر : 1 ] . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم [ غافر : 2 ] . تنزيل من الرحمن الرحيم [ فصلت : 2 ] . تنزيل من حكيم حميد [ فصلت : 42 ] . قل نزله روح القدس من ربك بالحق [ النحل : 102 ] . حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين [ الدخان : 1 - 5 ] .

[ ص: 383 ] الثامن : التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده ، وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كقوله : إن الذين عند ربك [ الأعراف : 206 ] . وله من في السماوات والأرض ومن عنده [ الأنبياء : 19 ] . ففرق بين ( ( من له ) ) عموما وبين ( ( من عنده ) ) من ملائكته وعبيده خصوصا ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه : أنه عنده فوق العرش .

التاسع : التصريح بأنه تعالى في السماء ، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين : إما أن تكون ( ( في ) ) بمعنى ( ( على ) ) ، وإما أن يراد بالسماء العلو ، لا يختلفون في ذلك ، ولا يجوز الحمل على غيره .

العاشر : التصريح بالاستواء مقرونا بأداة ( ( على ) ) مختصا بالعرش ، الذي هو أعلى المخلوقات ، مصاحبا في الأكثر لأداة ( ( ثم ) ) الدالة على الترتيب والمهلة .

الحادي عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، كقوله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 384 ] إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا .

والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط - باطل بالضرورة والفطرة ، وهذا يجده من نفسه كل داع ، كما يأتي إن شاء الله تعالى .

الثاني عشر : التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل .

الثالث عشر : الإشارة إليه حسا إلى العلو ، كما أشار إليه من هو أعلم بربه وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر ، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله ، في اليوم الأعظم ، في المكان الأعظم ، قال لهم : أنتم مسئولون عني ، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا . نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء ، قائلا : اللهم اشهد . فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله ، [ ص: 385 ] وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه : اللهم اشهد ، ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين ، وأدى رسالة ربه كما أمر ، ونصح أمته غاية النصيحة ، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين ، وحذلقة المتحذلقين ! والحمد لله رب العالمين .

الرابع عشر : التصريح بلفظ " الأين " كقول أعلم الخلق به ، وأنصحهم لأمته ، وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح ، بلفظ لا يوهم باطلا بوجه : " أين الله " ، في غير موضع .

الخامس عشر : شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال إن ربه في السماء - بالإيمان .

السادس عشر : إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ، ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات ، فقال : ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [ غافر : 36 - 37 ] . فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني ، ومن أثبته فهو موسوي محمدي .

السابع عشر : إخباره صلى الله عليه وسلم : أنه تردد بين موسى عليه السلام وبين ربه [ ص: 386 ] ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة ، فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى موسى عدة مرار .

الثامن عشر : النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى ، من الكتاب والسنة ، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ، فلا يرونه إلا من فوقهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رءوسهم ، فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم ، وقال : يا أهل الجنة ، سلام عليكم ، ثم قرأ قوله تعالى : سلام قولا من رب رحيم [ يس : 58 ] . ثم يتوارى عنهم ، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم رواه الإمام أحمد في المسند ، وغيره ، من حديث جابر رضي الله عنه .

ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية . ولهذا طرد الجهمية النفيين ، وصدق أهل السنة بالأمرين معا ، وأقروا بهما ، وصار من أثبت الرؤية ونفى العلو مذبذبا بين ذلك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ! وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل ، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله ! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك !

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث