الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


53 - الحديث الثامن : ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا صلاة بحضرة طعام ، ولا وهو يدافعه الأخبثان } .

التالي السابق


هذا الحديث أدخل في العموم من الحديث الأول . أعني بالنسبة إلى لفظ " الصلاة " والنظر إلى المعنى يقتضي التعميم وهو الأليق بمذهب الظاهرية وقد قدمنا ما يتعلق بحضور الطعام . " والأخبثان " الغائط والبول . وقد ورد مصرحا به في بعض الأحاديث . و " مدافعة الأخبثين " إما أن تؤدي إلى الإخلال بركن ، أو شرط ، أو لا . فإن أدى إلى ذلك ، امتنع دخول الصلاة معه . وإن دخل واختل الركن أو الشرط : فسدت بذلك الاختلال . وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة . ونقل عن مالك : أن ذلك مؤثر في الصلاة بشرط شغله عنه ، وقال : يعيد في الوقت وبعده . وتأوله بعض أصحابه على أنه إن شغله ، حتى إنه لا يدري كيف صلى . فهو الذي يعيد قبل وبعد ، وأما إن شغله شغلا خفيفا لم يمنعه من إقامة حدودها ، وصلى ضاما بين وركيه ، فهو الذي يعيد في الوقت . وقال القاضي عياض : وكلهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته ولا يضبط حدودها : أنه لا يجوز ، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة ، وأنه يقطع صلاته إن أصابه ذلك فيها . وهذا الذي قدمناه من التأويل ، وكلام القاضي عياض : فيه بعض إجمال .

والتحقيق : ما أشرنا إليه أولا ، أنه إن منع من ركن أو شرط : امتنع الدخول في الصلاة معه . وفسدت الصلاة باختلال الركن والشرط ، وإن لم يمنع من ذلك فهو مكروه ، إن نظر إلى المعنى ، أو ممتنع إن نظر إلى ظاهر النهي . ولا يقتضي ذلك [ ص: 182 ] الإعادة على مذهب الشافعي . وأما ما ذكر من التأويل أنه " لا يدري كيف صلى " أو ما قال القاضي عياض " إن من بلغ به ما لا يعقل صلاته " فإن أريد بذلك : الشك في شيء من الأركان فحكمه حكم من شك في ذلك بغير هذا السبب . وهو البناء على اليقين . وإن أريد به : أنه يذهب الخشوع بالكلية : فحكمه حكم من صلى بغير خشوع . ومذهب جمهور الأمة : أن ذلك لا يبطل الصلاة . وقول القاضي " ولا يضبط حدودها " إن أريد به : أنه لا يفعلها كما وجب عليه : فهو ما ذكرناه مبينا .

وإن أريد به : أنه لا يستحضرها ، فإن أوقع ذلك شكا في فعلها ، فحكمه حكم الشاك في الإتيان بالركن ، أو الإخلال بالشرط من غير هذه الجهة . وإن أريد به غير ذلك ، من ذهاب الخشوع : فقد بيناه أيضا . وهذا الذي ذكرناه : إنما هو بالنسبة إلى إعادة الصلاة . وأما بالنسبة إلى جواز الدخول فيها ، فقد يقال : إنه لا يجوز له أن يدخل في صلاة لا يتمكن فيها من تذكر إقامة أركانها وشرائطها . وأما ما أشار إليه بعضهم ، من امتناع الصلاة مع مدافعة الأخبثين ، من جهة أن خروج النجاسة عن مقرها يجعلها كالبارزة ، ويوجب انتقاض الطهارة ، وتحريم الدخول في الصلاة ، من غير التأويل الذي قدمناه : فهو عندي بعيد ; لأنه إحداث سبب آخر في انتقاض الطهارة من غير دليل ، صريح فيه . فإن أسنده إلى هذا الحديث ، فليس بصريح في أن السبب ما ذكره . وإنما غايته : أنه مناسب أو محتمل . والله أعلم . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث