الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

قلت: فيقال في الجواب عما ذكره الرازي. قوله: إن قلتم: إن علمه بذاته من حيث إنها تلك الذات المخصوصة علة لعلمه بمعلوله، فهو ممنوع، وهذه المقدمة ليست بدهية فلا بد لها من الدليل.

فيقال: هي بعد التصور التام بديهية، وبدون التصور التام تفتقر إلى بيان. وذلك لأن العلم بذاته المخصوصة، لا يكون علما بها إلا مع العلم بلوازمها التي تلزم الذات بنفسها، ولا تفتقر في لزومها إلى سبب منفصل، فإن هذه اللوازم هي عند نظار المسلمين كلها صفات ذاتية، فإنهم لا يفرقون في الصفات اللازمة للموصوف بين الذاتي المقوم والعرضي الخارج، بل الجميع عندهم ذاتي، بمعنى أنه لازم لذات الموصوف، لا تتحقق الذات إلا بتحققه. [ ص: 120 ]

وأما كون بعض الصفات داخلة في الذات، وبعضها خارجا، فإن أريد بذلك أن بعضها داخل فيما يتصور الذهن وينطق به اللسان، فهذا حق. ولكن يعود الدخول والخروج إلى ما يدخل في علمه وكلامه، وما يخرج عن ذلك.

وإن أريد بذلك أن نفس الموجود في الخارج: بعض صفاته اللازمة داخل في حقيقته، وبعضها خارج عنه، فهذا باطل، كما قد بسط.

وأما على طريقة المنطقيين، فالصفات اللازمة: إما ذاتية يتعذر معرفة الموصوف بدونها، وإما لازمة لماهيته، أو لازمة لوجوده، وهذه اللوازم لا بد لها من لازم بغير وسط، لئلا يلزم التسلسل، كما قرر ذلك ابن سينا في الإشارات، واللازم بوسط هو اللازم بتوسط دليل، لا بتوسط علة مبينة له، فجميع اللوازم للذات بغير توسط شيء في الخارج.

هذا مراده. وإن أريد بذلك أن من اللوازم شيئا يلزم توسط في الخارج، فذلك الوسط لازم لآخر بنفسه، فلا بد على كل تقدير من لازم بنفسه، وللازم لازم، وهلم جرا.

وحينئذ فإذا عرف نفسه، التي لها لوازم لا توجد إلا بها، فيلزم من معرفته بها معرفته بلوازمها، كما يلزم من وجودها وجود لوازمها، وإلا لم تكن المعرفة معرفة بها، فكما أن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، [ ص: 121 ] فالمعرفة به بدون معرفة لازمة ممتنعة، وإنما تقع الشبهة في هذا الموضع، لظن الظان أن التصور الناقص معرفة به، وليس كذلك، فإن الشعور مراتب، وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه، ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض.

ونحن لا نعرف شيئا من الأشياء على الوجه التام، بل لو علمنا شيئا على الوجه التام، لعلمنا لوازمه ولوازم لوازمه، فلا يكون علمنا بشيء من الأشياء مماثلا لعلم الرب.

ولهذا لما تكلم الناس في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، فاعتبر بعضهم اللزوم مطلقا، واعتبر بعضهم اللزوم الذهني، قالوا: لأن اللزوم الخارجي لا نهاية له؛ لأن للازم لازما، وللازم لازما فلفظ البيت إذا جل على الحيطان والأرض والسقف بالمطابقة، وعلى بعض ذلك بالتضمن، فهو مستلزم للأساس، ولأساس الأساس وللصانع، ولأب الصانع، ولأب أبيه، ولصانع الآلات، وأمور أخر، فيجب اعتبار اللزوم الذهني.

فيقال لهم: اللزوم الذهني ليس له ضابط، فإنه قد يخطر لهذا من اللوازم، ما لا يخطر لهذا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث