الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - ( مسألة ) : المختار أنه - عليه السلام - كان متعبدا بالاجتهاد .

            لنا : مثل ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) و " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لما سقت الهدي " .

            ولا يستقيم ذلك فيما كان بالوحي .

            واستدل أبو يوسف بقوله - تعالى : ( لتحكم بين الناس بما أراك الله ) .

            وقرره الفارسي ، واستدل بأنه أكثر ثوابا للمشقة فيه ، فكان أولى .

            وأجيب بأن سقوطه لدرجة أعلى .

            التالي السابق


            ش - اختلفوا في أن الرسول - عليه السلام - هل هو متعبد بالاجتهاد أم لا ؟

            [ ص: 294 ] والمختار عند المصنف أنه كان متعبدا بالاجتهاد .

            واحتج بقوله - تعالى : عفا الله عنك ، وبقوله - عليه السلام : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي " .

            أما وجه التمسك بالآية فإنه عاتب الرسول - عليه السلام - في الآية على الإذن . فلو كان الإذن بالوحي ، لما عاتبه ، وإذا لم يكن بالوحي ، تعين أن يكون عن اجتهاد ; لأن الرسول - عليه السلام - لا يحكم عن تشهي النفس ; لقوله - تعالى : وما ينطق عن الهوى فلو لم يكن متعبدا بالاجتهاد ، لم يجز ارتكابه .

            وأما التمسك بالحديث ; فلأن سوق الهدي الصادر من [ ص: 295 ] الرسول - عليه السلام - لا يجوز أن يكون بالوحي ; لأنه لا يجوز للرسول - عليه السلام - أن يبدل الوحي من تلقاء نفسه . وإذا لم يكن بالوحي ، تعين أن يكون بالاجتهاد . كما تقرر في الآية .

            واستدل أبو يوسف على أن الرسول - عليه السلام - كان متعبدا بالاجتهاد بقوله - تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله .

            ووجه الاستدلال بها - كما قرره أبو علي الفارسي - أن الإراءة إما من الرأي الذي هو الاجتهاد ، أو من الرؤية بمعنى الإبصار ، أو بمعنى العلم .

            لا جائز أن يكون من الرؤية بمعنى الإبصار ; لأن المراد بـ " ما " في قوله - تعالى : " بما أراك الله " هو الأحكام ، وهي لا تكون مبصرة .

            ولا جائز أن يكون من الرؤية بمعنى العلم ، وإلا لوجب ذكر المفعول الثالث ; لوجود ذكر المفعول الثاني ، وهو الضمير الراجع إلى الموصول ، وهو في حكم الملفوظ ، فتعين أن يكون بمعنى الرأي .

            والجواب أن " ما " مصدرية لا موصولة ، وقد حذف المفعولان وهو جائز .

            [ ص: 296 ] وأيضا على تقدير أن يكون " ما " موصولة ، جاز حذف المفعول الثالث عند حذف الثاني .

            واستدل أيضا بأن العمل بالاجتهاد أكثر ثوابا ; لأنه أشق من العمل بالنص ، وما هو أشق أكثر ثوابا ; لقوله - عليه السلام : " أفضل العبادات أحمزها " أي أشقها ، وما هو أكثر ثوابا كان أولى .

            أجاب بأن درجة الوحي أعلى من الاجتهاد ; لأنه لم يتطرق إليه الخطأ ، فيسقط الاجتهاد ; لأن ما هو أعلى درجة أولى .




            الخدمات العلمية