الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل منزلة الفرار

ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين : منزلة الفرار .

قال الله تعالى ففروا إلى الله وحقيقة الفرار : الهرب من شيء إلى شيء ، وهو نوعان : فرار السعداء ، وفرار الأشقياء .

[ ص: 467 ] ففرار السعداء : الفرار إلى الله عز وجل ، وفرار الأشقياء : الفرار منه لا إليه .

وأما الفرار منه إليه ففرار أوليائه ، قال ابن عباس في قوله تعالى ففروا إلى الله : فروا منه إليه ، واعملوا بطاعته ، وقال سهل بن عبد الله : فروا مما سوى الله إلى الله ، وقال آخرون : اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة .

وقال صاحب المنازل : هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل ، وهو على ثلاث درجات : فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ، ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما ، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء .

يريد ب " ما لم يكن " الخلق ، وب " ما لم يزل " الحق .

وقوله : فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا .

الجهل نوعان : عدم العلم بالحق النافع ، وعدم العمل بموجبه ومقتضاه ، فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة ، قال موسى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما قال له قومه أتتخذنا هزوا أي من المستهزئين ، وقال يوسف الصديق وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين أي من مرتكبي ما حرمت عليهم ، وقال تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل ما عصي الله به فهو جهالة ، وقال غيره : أجمع الصحابة أن كل من عصى الله فهو جاهل ، وقال الشاعر :


ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وسمي عدم مراعاة العلم جهلا ، إما لأنه لم ينتفع به ، فنزل منزلة الجهل ، وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله .

فالفرار المذكور هو الفرار من الجهلين : من الجهل بالعلم إلى تحصيله ، اعتقادا ومعرفة وبصيرة ، ومن جهل العمل إلى السعي النافع ، والعمل الصالح قصدا وسعيا .

[ ص: 468 ] قوله : ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما .

أي يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد .

والجد هاهنا هو صدق العمل ، وإخلاصه من شوائب الفتور ، ووعود التسويف والتهاون ، وهو تحت السين وسوف ، وعسى ، ولعل ، فهي أضر شيء على العبد ، وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات .

والفرق بين الجد والعزم أن العزم صدق الإرادة واستجماعها ، والجد صدق العمل وبذل الجهد فيه ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقي أوامره بالعزم والجد ، فقال خذوا ما آتيناكم بقوة وقال وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وقال يايحيى خذ الكتاب بقوة أي بجد واجتهاد وعزم ، لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور .

وقوله : ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء .

يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه ، وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ، ومصالح من يتعلق به ، وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه ، يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى ، وصدق التوكل عليه ، وحسن الرجاء لجميل صنعه به ، وتوقع المرجو من لطفه وبره ، ومن أحسن كلام العامة قولهم : لا هم مع الله ، قال الله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب قال الربيع بن خثيم : يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس ، وقال أبو العالية : مخرجا من كل شدة ، وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ، ومضايق الدنيا والآخرة ، فإن الله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجا ، وقال الحسن : مخرجا مما نهاه عنه ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي كافي من يثق به في نوائبه ومهماته ، يكفيه كل ما أهمه ، والحسب الكافي حسبنا الله كافينا الله .

[ ص: 469 ] وكلما كان العبد حسن الظن بالله ، حسن الرجاء له ، صادق التوكل عليه ، فإن الله لا يخيب أمله فيه البتة ، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ، ولا يضيع عمل عامل ، وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة ، فإنه لا أشرح للصدر ، ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنه به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث