الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الرضاع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 438 ] كتاب الرضاع قال ( قليل الرضاع وكثيره سواء إذا حصل في مدة الرضاع تعلق به التحريم ) وقال الشافعي رحمه الله : لا يثبت [ ص: 439 ] التحريم إلا بخمس رضعات ، لقوله عليه الصلاة والسلام : { لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان } . [ ص: 440 - 441 ] ولنا قوله تعالى { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } الآية وقوله عليه الصلاة والسلام { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } من غير فصل ، ولأن الحرمة وإن كانت لشبهة البعضية الثابتة بنشوء العظم وإنبات اللحم لكنه أمر مبطن فتعلق الحكم بفعل الإرضاع ، وما رواه مردود بالكتاب أو منسوخ به ، وينبغي أن يكون في مدة الرضاع لما نبين . .

التالي السابق


كتاب الرضاع

لما كان المقصود من النكاح الولد وهو لا يعيش غالبا في ابتداء نشأته إلا بالرضاع وكان له أحكام تتعلق به وهي من آثار النكاح المتأخرة عنه بمدة وجب تأخيره إلى آخر أحكامه . قيل : وكان ينبغي أن يذكره في المحرمات لكنه أفرده بكتاب على حدة لاختصاصه بمسائل كشهادة النساء وخلط اللبن ونحوه . والحق أنه ذكر في المحرمات ما تتعلق المحرمية به . وإنما ذكر هنا التفاصيل الكثيرة . والرضاع والرضاعة بكسر الراء فيهما وفتحها أربع لغات والرضع الخامسة ، وأنكر الأصمعي الكسر مع الهاء ، وفعله في الفصيح من حد علم يعلم ، وأهل نجد قالوا من باب ضرب وعليه قول السلولي يذم علماء زمانه : وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ثم قيل : كتاب الرضاع ليس من تصنيف محمد رحمه الله إنما ألفه بعض أصحابه ونسبه إليه ليروجه ولذا لم يذكره الحاكم الشهيد أبو الفضل في مختصره المسمى بالكافي مع التزامه إيراد كلام محمد رحمه الله في جميع كتبه محذوفة التعاليل . وعامتهم على أنه من أوائل مصنفاته ، وإنما لم يذكره الحاكم اكتفاء بما أورده من ذلك في كتاب النكاح .

وهو في اللغة : مص اللبن من الثدي ، ومنه قولهم لئيم راضع : أي يرضع غنمه ولا يحلبها مخافة أن يسمع صوت حلبه فيطلب منه اللبن . وفي الشرع : مص الرضيع اللبن من ثدي الآدمية في وقت مخصوص

أي مدة الرضاع المختلف في تقديرها ( قوله قليل الرضاع وكثيره سواء إذا تحقق في مدة الرضاع تعلق به التحريم ) وبه قال مالك ; أما لو شك فيه بأن [ ص: 439 ] أدخلت الحلمة في فم الصغير وشكت في الارتضاع لا تثبت الحرمة بالشك ، وهو كما لو علم أن صبية أرضعتها امرأة من قرية ولا يدري من هي فتزوجها رجل من أهل تلك القرية صح ; لأنه لم يتحقق المانع من خصوصية امرأة ، والواجب على النساء أن لا يرضعن كل صبي من غير ضرورة ، وإذا أرضعن فليحفظن ذلك ويشهرنه ويكتبنه احتياطا .

وقال الشافعي رحمه الله : لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات مشبعات في خمسة أوقات متفاصلة عرفا . وعن أحمد رحمه الله روايتان كقولنا وكقوله لقوله صلى الله عليه وسلم { لا تحرم المصة والمصتان } الحديث .

رواه مسلم في حديثين صدره حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال { لا تحرم المصة والمصتان } وآخره عن أم الفضل بنت الحارث قالت { دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي فقال : يا رسول الله إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى ، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت الحدثى رضعة أو رضعتين ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا تحرم الإملاجة والإملاجتان } وأخرج ابن حبان في صحيحه حديثا واحدا عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان } فقول شارح في قوله { ولا الإملاجة والإملاجتان } إنه لم يثبت في كتب الحديث ليس بصحيح . والإملاجة : الإرضاعة ، والتاء للوحدة ، والإملاج : الإرضاع ، وأملجته أرضعته ، وملج هو أمه : رضعها ، وهذا الحديث لا يصلح لإثبات مذهبه ، وقيل يمكن أن يثبت به مذهبه بطريق هو أن المصة داخلة في المصتين فحاصله لا تحرم المصتان ولا الإملاجتان ، فنفي التحريم عن أربع فلزم أن يثبت بخمس وهذا ليس بشيء .

أما أولا فلأن مذهبه ليس التحريم بخمس مصات بل بخمس مشبعات في أوقات ، وأما ثانيا ; فلأن المصة غير الإملاجة ، فإن المصة فعل الرضيع ، والإملاجة الإرضاعة فعل المرضعة .

فحاصل المعنى أنه صلى الله عليه وسلم نفى كون الفعلين محرمين منه ومنها ، وعلى هذا فالتحقيق أنه لا يتأتى حديثا واحدا ; لأن الإملاج ليس حقيقة المحرم بل لازمه من الارتضاع ، فنفي تحريم الإملاج نفي تحريم لازمه ، فليس الحاصل من { لا تحرم الإملاجتان } إلا لا تحرم لازمهما : أعني المصتين فلو جمعا في حديث واحد كان الحاصل لا تحرم المصتان فلزم أن لا يصح أن يراد إلا المصتان لا الأربع . فإن قلت : فقد ذكرت آنفا حديثا واحدا في صحيح ابن حبان من رواية ابن الزبير عن أبيه رضي الله عنه . قلت : يجب كون الراوي وهو الزبير أراد أن يجمع بين ألفاظه صلى الله عليه وسلم التي سمعها منه في وقتين كأنه قال : قال صلى الله عليه وسلم { لا تحرم المصة ولا المصتان } وقال أيضا { لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان } وقبل بطريق آخر وهو أنه ناف لمذهبنا فيثبت به مذهبه لعدم القائل بالفصل وليس كذلك فإنه قال بالفصل أبو ثور وابن المنذر وداود وأبو عبيد وهؤلاء أئمة الحديث ، قالوا : المحرم ثلاث رضعات ، اللهم إلا أن لا يعتبر قولهم ، وفيه نظر لقوة وجهه بالنسبة إلى وجه قول الشافعي رحمه الله وذلك أن الذي أثبت به مذهبه ما في مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : [ ص: 440 ] { كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن ، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن } . قالوا وهذا يدل على قرب النسخ حتى إن من لم يبلغه كان يقرؤها وهو لا يستقيم إلا على إرادة نسخ الكل وإلا لزم ضياع بعض القرآن الذي لم ينسخ وعدمه كما عن الروافض ، وإلا لوجب أن يتلى خمس رضعات إلخ ، فدار الأمر بين الحكم بنسخ الكل لعدم التلاوة الآن فينبغي أن يوقف ثبوت الحرمة على خمس رضعات وعدمه فيثبت قول الروافض ذهب كثير من القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تثبته الصحابة رضي الله عنهم ، ولذا بطل التمسك به وإن كان إسناده صحيحا لانقطاعه باطنا وثبت نفي تحريم المصة والمصتان والرضاع محرم وجب التحريم بالثلاث .

وما روي عنها أنه كان في صحيفة تحت سريري فلما مات صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخلت دواجن فأكلتها لا ينفي ذلك النسخ : يعني كان مكتوبا ولم يغسل بعد للقرب حتى دخلت الدواجن . وإلا فالقرآن لا تجوز الزيادة فيه ولا النقص بعده صلى الله عليه وسلم قال تعالى { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وما قيل ليكن نسخ الكل ويكون النسخ التلاوة مع بقاء الحكم وإن هذا مما لا جواب عنه فليس بشيء ; لأن ادعاء بقاء حكم الدال بعد نسخه يحتاج إلى دليل ، وإلا فالأصل أن نسخ الدال يرفع حكمه ، وأما ما نظر به من " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما " فلولا ما علم بالسنة والإجماع لم يثبت به وإذا احتاج إلى ثبوت كون المحرم الخمس ولم يكن هذا الحديث مثبتا له فالدليل عليه مستأنف ، وما ذكر له أولا قد سمعت ما فيه فحينئذ تمسكهم في الثلاث أظهر من متمسكه في الخمس ونحن إلى جوابه أحوج فكيف لا يعتبر ؟ نعم أحسن الأدلة له حديث عائشة رضي الله عنها في مسلم وغيره قالت { جاءت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه ، فقال صلى الله عليه وسلم : أرضعي سالما خمسا تحرمي بها عليه } إلا أن مسلما لم يذكر عددا ، وكذا السنن المشهورة ، بل نقل في مسند الشافعي رحمه الله مخالفا لها على ما فيه .

والجواب أن التقدير مطلقا منسوخ صريح بنسخه ابن عباس رضي الله عنهما حين قيل له : إن الناس يقولون إن الرضعة لا تحرم ، فقال : كان ذلك ثم نسخ .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم . وروي عن ابن عمر أن القليل يحرم ، وعنه أنه قيل له : إن ابن الزبير رضي الله عنه يقول : لا بأس بالرضعة والرضعتين . فقال : قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير ، قال تعالى { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } فهذا إما أن يكون ردا للرواية لنسخها أو لعدم صحتها أو لعدم إجازته تقييد إطلاق الكتاب بخبر الواحد فإنه تعالى علق التحريم بفعل الرضاعة من غير فصل ، وهذا ما قال المصنف رحمه الله ، وما رواه مردود بالكتاب أو منسوخ به ، ثم الذي يحرم [ ص: 441 ] به في حديث سهلة أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يشبع سالما خمس شبعات في خمسة أوقات متفاصلات جائعا ; لأن الرجل لا يشبعه من اللبن رطل ولا رطلان فأين تجد الآدمية في ثديها قدر ما يشبعه ؟ هذا محال عادة ، فالظاهر أن معدود خمسا فيه المصات ، ثم كيف جاز أن يباشر عورتها بشفتيه فلعل المراد أن تحلب له شيئا مقداره خمس مصات فيشربه وإلا فهو مشكل .

هذا وهو منسوخ من وجه آخر أيضا كما سيأتي بيانه والله أعلم ( قوله ولنا قوله تعالى { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } ) تقدم في استدلال ابن عمر رضي الله عنهما ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } فحديث في الصحيحين مشهور ( قوله ولأن الحرمة وإن كانت لشبهة البعضية ) جواب سؤال هو أن الحرمة بالرضاع لاختلاط البعضية بسبب النشوء الكائن عنه وذلك لا يتحقق بأدنى شيء .

أجاب بأن ذلك حكمة ; لأنه خفي والأحكام لا تتعلق بها لخفائها بل الظاهر المنضبط وهو فعل الارتضاع ، فلو قال : الظاهر لا بد من كونه مظنة للحكمة ومطلقه ليس مظنة النشوء فلا يتعلق التحريم به . قلنا : ولا يتوقف النشوء على خمس مشبعات بل واحدة تفيده ، فالتعلق بخمس زيادة تستلزم تأخير الحرمة عن وقت تعلقها . والحق أن الرضاع وإن قل يحصل به نشوء بقدره فكان الرضاع مطلقا مظنة بالنسبة إلى الصغير .

وقولنا قول جمهور الصحابة منهم علي وابن مسعود ، وأسند الرواية عنهما به النسائي وابن عباس رضي الله عنهما وجمهور التابعين ، هذا والأولى أن يقال للبعضية ; لأن الحرمة لشبهة البعضية وإقامة السبب مقام المسبب إنما هي حرمة المصاهرة ، أما في الرضاع فحقيقة الجزئية باللبن هي المحرمة ، لكن لما كان التحريم يثبت بمجرد حصول اللبن في الجوف قبل استحالته كان المحرم شبهتها : أي ما يئول إلى الجزئية .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث