الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب تكبير أيام التشريق

حدثني يحيى عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئا فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت فيعلم أن عمر قد خرج يرمي

قال مالك الأمر عندنا أن التكبير في أيام التشريق دبر الصلوات وأول ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الظهر من يوم النحر وآخر ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ثم يقطع التكبير قال مالك والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء من كان في جماعة أو وحده بمنى أو بالآفاق كلها واجب وإنما يأتم الناس في ذلك بإمام الحاج وبالناس بمنى لأنهم إذا رجعوا وانقضى الإحرام ائتموا بهم حتى يكونوا مثلهم في الحل فأما من لم يكن حاجا فإنه لا يأتم بهم إلا في تكبير أيام التشريق قال مالك الأيام المعدودات أيام التشريق

التالي السابق


68 - باب تكبير أيام التشريق

922 906 - ( مالك عن يحيى بن سعيد ) الأنصاري ( أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئا ) قليلا ( فكبر فكبر الناس بتكبيره ) اتباعا له ، لأنه الإمام ( ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبر فكبر الناس بتكبيره ، ثم خرج ) الثالثة ( حتى زاغت ) بزاي وغين معجمتين ، زالت ( الشمس فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ) الكعبة ( فيعلم أن عمر قد خرج يرمي ) الجمرة .

وروى الطحاوي وأحمد وابن أبي شيبة ، عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله : " خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل " .

( قال مالك : الأمر عندنا أن التكبير في أيام التشريق دبر الصلوات ) أي عقبها ، بضمتين ، وتسكين الباء [ ص: 549 ] تخفيف وأصله خلاف القبل من كل شيء ( وأول ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الظهر من يوم النحر ، وآخر ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، ثم يقطع التكبير ) احتج بالعمل ، لأنه لم يرو في ذلك حديث .

قال الحافظ - رحمه الله تعالى : اختلف العلماء فيه فمنهم من قصره على أعقاب الصلوات ، ومنهم من خصه بالمكتوبات دون النوافل ، ومنهم من خصه بالرجال دون النساء ، وبالجماعة دون المنفرد ، وبالمؤداة دون المقضية ، وبالمقيم دون المسافر ، وبساكن المصر دون القرية ، واختلف أيضا في ابتدائه وانتهائه ، فقيل : من صبح يوم عرفة ، وقيل : من ظهره ، وقيل : من عصره ، وقيل : من صبح يوم النحر ، وقيل : من ظهره ، وفي الانتهاء إلى ظهر يوم النحر ، أو عصره ، أو ظهر ثانيه ، أو صبح آخر أيام التشريق ، أو ظهره أو عصره ، ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث واضح ، ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود : " من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى " ، أخرجهما ابن المنذر وغيره .

وأما صفة التكبير فأصح ما ورد فيه ما رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان ، قال : " كبروا الله أكبر الله أكبر كبيرا " ، وزاد الشافعي : " ولله الحمد " ، وقيل : يكبر ثلاثا ويزاد لا إله إلا الله وحده لا شريك له . . . إلخ .

وقيل : يكبر ثنتين بعدهما لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ، جاء ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وبه قال أحمد وإسحاق ، وقد أحدث في هذا الزمان زيادة لا أصل لها ، انتهى .

( قال ) مالك : ( والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء ) خلافا لمن خصه بالرجال .

وفي البخاري : " كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد " .

( من كان في جماعة ، أو وحده بمنى ، أو بالآفاق كلها واجب ) مندوب متأكد ( وإنما يأتم ) يقتدي ( الناس في ذلك بإمام الحاج وبالناس بمنى ) في رمي الجمار والتكبير ( لأنهم إذا رجعوا وانقضى الإحرام ائتموا بهم حتى يكونوا مثلهم في الحل ، فأما من لم يكن حاجا ) من أهل الآفاق كلهم ، ومن فاته الحج وأقام بمكة أيام منى ، قاله أبو عمر ( فإنه لا يأتم بهم إلا في تكبير أيام التشريق ) وحكمته كما قال الحطاب إن [ ص: 550 ] الجاهلية كانوا يذبحون فيها لطواغيتهم ، فشرع فيها التكبير إشارة إلى تخصيص الذبح له وعلى اسمه عز وجل .

( قال مالك : الأيام المعدودات أيام التشريق ) كما جاء عن ابن عباس ، وزاد : والأيام المعلومات أيام العشر ، رواه عبد بن حميد .

وروى ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس ، قال : " الأيام المعلومات التي قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة ، والمعدودات أيام التشريق " وإسناده صحيح ، وظاهره إدخال يوم العيد في أيام التشريق .

وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر ، عن ابن عباس : " المعلومات : يوم النحر وثلاثة أيام بعده " ، ورجحه الطحاوي لقوله تعالى : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) ( سورة الحج : الآية 28 ) فإنه مشعر بأن المراد أيام النحر ، وتعقب بأن هذا لا يمنع تسمية أيام العشر معلومات ، ولا أيام التشريق معدودات ، بل تسمية أيام التشريق معدودات متفق عليه ، لقوله تعالى : ( واذكروا الله في أيام معدودات ) ( سورة البقرة : الآية 203 ) الآية ، وقد قيل : إنما سميت معدودات لأنها إذا زيد عليها شيء بعد ذلك حصرا ، أي في حكم حصر العدد ، ثم مقتضى كلام أهل اللغة والفقه أن أيام التشريق ما بعد يوم النحر على اختلافهم في أنها ثلاثة أو يومان ، لكن ما ذكروه من سبب تسميتها بذلك يقتضي دخول يوم العيد فيها .

وقد حكى أبو عبيد قولين : أحدهما لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي : أي يقددونها ويبرزونها للشمس .

ثانيهما : لأنها كلها أيام تشريق لصلاة يوم النحر ، فصارت تبعا ليوم النحر ، وهذا أعجب القولين إلي .

وقيل : سميت بذلك لأن العيد إنما يصلى بعد أن تشرق الشمس .

وعن ابن الأعرابي : لأن الهدايا والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس ، وكأن من أخرج يوم العيد منها لشهرته بلقب يخصه وهو يوم العيد ، وإلا فهي في الحقيقة تبع له في التسمية كما تبين من كلامهم ، ومنه قول علي : " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع " ، رواه أبو عبيد بإسناد صحيح موقوفا ، ومعناه لا صلاة جمعة ، ولا صلاة عيد .

ومنه حديث الشعبي مرسلا : " من ذبح قبل التشريق فليعد " أي قبل صلاة العيد ، رواه أبو عبيد برجال ثقات .

وقال أبو حنيفة : التشريق التكبير دبر الصلاة ، أي لا تكبير إلا على أهل الأمصار .

قال أبو عبيد : وهذا لم نجد أحدا يعرفه ، ولا وافقه عليه صاحباه ولا غيرهما ، انتهى . وهذا كله يدل على أن يوم العيد من أيام التشريق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث