الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              571 - محمد بن يعقوب

              ومنهم العارف بالأصول ، العازف عن الفضول ، له القلب الخاشع ، والأذن السامع ، أحكم علم الآثار وأتقنها ، وألف في المعاملات والأحوال وأوضحها - أبو جعفر محمد بن يعقوب بن الفرجي .

              صحب الحارث بن أسد المحاسبي وطبقته ، له مصنفات في معاني الصوفية : ( كتاب الورع ) ( وكتاب صفات المريدين ) ، كان من الأئمة في علوم النساك ، يرفع من الفقراء وينصرهم ، ويضع من المدعين ويزري عليهم .

              كتب إلي جعفر بن محمد بن نصير فيما أذن لي ، قال : سمعت المرتعش ، يقول : [ ص: 288 ] قال أبو جعفر بن الفرجي : " مكثت عشرين سنة لا أسأل عن مسألة ، إلا ومنازلتي فيها قبل قولي ، وقال : إذا صح الود سقطت شروط الأدب " .

              وحكى عبد المنعم بن عمر ، عن أبي سعيد ابن الأعرابي : أنه قيل لأبي جعفر بن الفرجي : إنك تنكر الزعقة والصيحة ، فقال : " إنما أنكرها على الكذابين ، وقال : ما زعقت من عمري إلا ثلاث زعقات : فإني انتهيت ببغداد يوما إلى الجسر ، وأخرج رجل من الشطاحين من السجن يضرب ، ثم رد إلى السجن ، والناس يتعجبون من صبره على الجلد فجئت إليه ، فقلت : مسألة ، فقال : أوسعوا له ما مسألتك ؟ قلت : أسهل ما يكون الضرب عليكم أي وقت ؟ قال : إذا كان من ضربنا له يرانا ، قال : فصحت ولم أملك السكوت " .

              قال أبو سعيد ابن الأعرابي : أخبرني عمي يحيى بن أحمد قال : أخبرني ابن المرزبان الصيقل قال : " أردت الخروج إلى مكة فرافق الجمال بيني وبين إنسان لا أعرفه ، فقلت له بعد أن رافقني : نحتاج من الزاد كذا وكذا ، ومن الزيت كذا وكذا ، فقال : قد اشتريت جميع ذلك فلا تشتر شيئا وظننت أنه يحاسبني عليه كما يفعل الرفقاء وكان في الطريق يسرف ويوسع النفقة فأقول في نفسي كل هذا يحاسبني به ، فكنت أحتشمه أن أقول له : أقصر ، وأحتمله ، فلما صرت بمكة عزم على المقام بمكة ، فقلت له : الحساب ، فقال : سبحان الله تذكر مثل هذا ؟ وأقبل ينكر علي ذلك ، فقلت : لا بد منه ، فأبى ذلك ، وقال : من يفعل ذلك ؟ فسألت عنه ، فإذا هو الفرجي " .

              وروي عن أبي جعفر محمد بن الفرجي قال : " خرجت من الشام على طريق المفازة فوقعت في التيه فمكثت فيه أياما حتى أشرفت على الموت ، قال : فبينا أنا كذلك إذا أنا براهبين يسيران كأنهما خرجا من مكان قريب يريدان ديرا لهما قريبا ، فقمت إليهما فقلت : أين تريدان ؟ قالا : لا ندري ، قلت : أتدريان أين أنتما ؟ قالا : نعم نحن في ملكه ومملكته وبين يديه ، فأقبلت على نفسي أوبخها وأقول لها : راهبان يتحققان بالتوكل دونك ، فقلت لهما : أتأذنان في الصحبة ؟ قالا : ذلك إليك ، فاتبعتهما ، فلما جن الليل قاما إلى صلاتهما وقمت إلى صلاتي ، فصليت المغرب بتيمم ، فنظرا إلي وقد تيممت ، فضحكا مني فلما [ ص: 289 ] فرغا من صلاتهما بحث أحدهما الأرض بيده فإذا بماء قد ظهر وطعام موضوع فبقيت أتعجب من ذلك فقالا : ما لك ؟ ادن فكل واشرب ، فأكلنا وشربنا وتهيأت للصلاة ، ثم نضب الماء فذهب فلم يزالا في الصلاة ، وأنا أصلي على حدة حتى أصبحنا وصلينا الصبح ، ثم أخذنا في المسير فمكثنا على ذلك إلى الليل فلما جننا الليل تقدم الآخر فصلى بصاحبه ثم دعا بدعوات وبحث الأرض بيده فنبع الماء وحضر الطعام ، فلما كانت الليلة الثالثة قالا : يا مسلم هذه نوبتك الليلة فاستخر الله قال : فتعبت فيها واستحيت ودخل بعضي في بعض ، قال : فقلت : اللهم إني أعلم أن ذنوبي لم تدع لي عندك جاها ولكن أسألك ألا تفضحني عندهما ولا تشمتهما بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبأمة نبيك ، فإذا بعين خرارة وطعام كثير فأكلنا من ذلك الطعام وشربنا ، ولم نزل كذلك حتى بلغتني النوبة الثانية ففعلت كذلك فإذا بطعام اثنين وشراب فكففت يدي وأريهما أني آكل ولم آكل فسكتا عني ، فلما كانت النوبة الثالثة أصابني كذلك فقالا لي : يا مسلم ، ما هذا ؟ قلت : لا أدري ، فلما كان في جوف الليل غلبتني عيناي فإذا بقائل يقول : يا محمد أردنا بك الإيثار الذي اختصصنا به محمدا صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء والرسل فهي علامته وكرامته وكرامة أمته من بعده إلى يوم القيامة ، قال : فبلغت نوبتي وكان الأمر على هذه الصورة ، فقالا لي : يا مسلم ، ما هذا ؟ ما لنا نرى طعامك ناقصا ؟ قلت : أولا تعلمان ما هذا ؟ قالا : لا ، قلت : هذا خلق خص الله به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وخص به أمته ، إن الله عز وجل يريد به الإيثار فقد آثرتكما ، قال : فقالا : نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، لقد صدقت قولك ، هذا خبر نجده في كتبنا خص الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته فأسلما ، فقلت لهما في الجمعة والجماعة قالا : ذلك الواجب ؟ قلت : نعم ، قالا : فاسأل الله أن يخرجنا من هذا التيه إلى أقرب الأماكن من الشام ، قال : فبينا نحن نسير إذ أشرفنا على بيوتات بيت المقدس " .

              ومما أسند : حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا محمد بن يعقوب بن الفرجي الرملي ، ثنا إبراهيم بن المنذر المجذمي ، ثنا عبد الله بن وهب ، ثنا قرة بن عبد الرحمن ، عن يزيد [ ص: 290 ] بن أبي حبيب ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أبي حميد الساعدي قال : استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمرا فلما جاءه يتقاضاه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس عندنا اليوم ، فإن شئت أخرت عنا حتى يأتينا فنقضيك ، فقال الرجل : واعذراه فتذمر عمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه يا عمر فإن لصاحب الحق مقالا انطلقوا إلى خولة بنت حكيم الأنصارية فالتمسوا لنا عندها تمرا ، فانطلقوا فقالت : والله ما عندي إلا تمر ذخيرة فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : خذوه فاقضوه ، فلما قضوه أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : قد استوفيت ؟ قال : نعم قد أوفيت وأطبت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن خيار عباد الله الموفون المطيبون ، قال سليمان : تفرد به قرة ، عن يزيد .

              حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ، ومحمد بن أحمد بن شبويه ، قالا : ثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم ، ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ، ثنا محمد بن عبد الملك بن قريب الأحمر ، قال : حدثني أبي ، ثنا أبو معشر ، عن سعد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمنين " .

              أخبرنا أبو مسعود محمد بن إبراهيم بن عيسى المقدسي في كتابه ، ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ، ثنا خالد بن يزيد ، ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " .

              حدثنا عبد المنعم بن عمر ، ثنا أبو سعيد الأعرابي ، ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ، ثنا علي بن المديني ، ثنا المعتمر بن سليمان ، عن سفيان الثوري ، عن أبي سلمة ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بشر أمتي بالسناء والرفعة والتمكين ، وأن من عمل عمل الآخرة يريد به الدنيا فليس له في الآخرة من نصيب " .

              حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا أحمد بن عمرو بن جابر ، ثنا محمد بن يعقوب [ ص: 291 ] الفرجي ، ثنا أحمد بن عيسى أبو طاهر ، ثنا ابن أبي فديك ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر " .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية