الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم

ولما كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق؛ وإخفاء أمره؛ من غير تصريح بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي أضعف منها؛ وكأن هذا حقيقة المكر؛ التي هي التغطية والستر؛ كما بين في "الرعد"؛ عند قوله (تعالى): بل زين للذين كفروا مكرهم ؛ شرع يهدد الماكرين؛ ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر منهم عددا؛ وأقوى يدا؛ ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم؛ بما له من عظيم القوة؛ وشديد السطوة؛ فقال (تعالى): قد مكر الذين ؛ ولما كان المقصود بالإخبار ناسا مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل؛ أدخل الجار؛ فقال (تعالى): من قبلهم ؛ ممن رأوا آثارهم؛ ودخلوا ديارهم؛ فأتى الله ؛ أي: بما له من مجامع العظمة؛ بنيانهم ؛ أي: إتيان بأس وانتقام؛ من القواعد ؛ التي بنوا عليها مكرهم؛ فخر ؛ أي: سقط مع صوت عظيم لهدته؛ عليهم السقف ؛ ولما كانت العرب تقول: "خر علينا سقف؛ ووقع علينا حائط"؛ [ ص: 139 ] إذا كان يملكه؛ وإن لم يكن وقع عليه؛ كما نقله أبو حيان عن ابن الأعرابي؛ قال (تعالى) - صرفا عن هذا إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار -: من فوقهم ؛ وكانوا تحته؛ فهلكوا؛ كما هو شأن البنيان إذا زالت قواعده.

ولما كان المكر هو الضر في خفية؛ لأنه القتل بالحيلة إلى جهة منكرة؛ بين أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما فعلوا؛ بقوله: وأتاهم العذاب ؛ أي: الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به لمن أبى؛ من حيث لا يشعرون ؛ لأن السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب قهرهم؛ وهذا على سبيل التمثيل؛ وقيل: إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود من الصرح.

ذكر قصته من التوراة:

قال في السفر الأول منها؛ في تعداد أولاد نوح - عليه السلام -: وكوش - يعني ابن حام بن نوح - ولد نمرود؛ وكان أول جبار في الأرض؛ وهو كان مخوفا؛ ذا صيد بين يدي الرب؛ ولذلك يقال: [ ص: 140 ] "هذا مثل نمرود الجبار القناص"؛ فكان مبدأ ملكه بابل؛ والكوش؛ والأهواز؛ والكوفة؛ التي بأرض شنعار؛ ومن تلك الأرض خرج الموصلي؛ فابتنى نينوى؛ ورحبوت القرية - وفي نسخة: قرية الرحبة - والإيلة؛ والمدائن; ثم قال - بعد أن عد أحفاد نوح - عليه السلام -؛ وممالكهم -: هؤلاء قبائل بني نوح؛ وأولادهم؛ وخلوفهم؛ وشعوبهم؛ ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في الأرض بعد الطوفان؛ وإن أهل الأرض كلهم كانت لغتهم واحدة؛ ومنطقهم واحدا؛ فلما ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في أرض شنعار - وفي نسخة: العراق - فسكنوه؛ فقال كل امرئ منهم لصاحبه: هلم بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار؛ فيصير اللبن مثل الحجارة؛ ويصير الجص بدل الطين للملاط؛ ثم قال: هلموا نبن لنا قرية نتخذها؛ وصرحا مشيدا لاحقا بالسماء؛ ونخلف لنا شيئا نذكر به؛ لعلنا ألا نتفرق على الأرض كلها؛ فنظر الرب القرية والصرح الذي يبنيه الناس؛ فقال الرب: إني أرى هذا الشعب رأيهم واحد؛ ولغتهم واحدة؛ [ ص: 141 ] وقد هموا أن يصنعوا هذا الصنيع؛ فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه؛ فلأورد أمرا أشتت به لغتهم؛ حتى لا يفهم المرء منهم لغة صاحبه؛ ثم فرقهم الرب من هنالك على وجه الأرض كلها؛ ولم يبنوا القرية التي هموا ببنائها؛ ولذلك سميت بابل؛ لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها؛ انتهى.

قال لي بعض علماء اليهود: إن "بابل" معرب "بوبال"؛ ومعنى "بوبال"؛ بالعبراني: الشتات؛ هذا ما في التوراة؛ وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على هيئة طويلة؛ في الطول والإحكام؛ وأن الله (تعالى) هدمه؛ فكانت له رجة؛ تفرقت لعظم هولها لغة أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة؛ لا يحصيها إلا خالقها؛ فالله أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث