الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إجبار العبد أو الأمة على النكاح

جزء التالي صفحة
السابق

1838 - مسألة : ولا يحل للسيد إجبار أمته أو عبده على النكاح ، لا من أجنبي ولا من أجنبية ، ولا أحدهما من الآخر - فإن فعل فليس نكاحا .

برهان ذلك - : قول الله عز وجل : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } .

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد ذكرناه بإسناده { لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا تنكح الثيب حتى تستأمر } وهو قول الشافعي ، وأبي سليمان .

وقال أبو حنيفة في أحد قوليه : لا يزوج السيد عبده إلا بإذنه ، وله أن يزوج أمته بغير إذنها - وهو قول الحسن بن حي .

[ ص: 56 ] وروي عن سفيان الثوري أنه يزوجهما بغير إذنها .

وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن : له أن يزوج أمته من عبده وإن كرها جميعا - وروي هذا أيضا عن أبي حنيفة .

وقال مالك : يكره الرجل أمته وعبده على النكاح ، ولا ينكح أمته إلا بمهر يدفعه إليها فيستحل به فرجها ، ولا يزوج أمته الفارهة من عبده الأسود لا منظر له إلا أن يكون على وجه النظر والصلاح يريد به عفة الغلام ، مثل أن يكون وكيله ، فإن كان على وجه الضرر بالجارية لم يجز .

قال : ويكره الرجل أمته المعتقة إلى سنين على النكاح . قال أبو محمد : أما قول مالك فظاهر التناقض ، لأنه أجاز إكراه السيد لأمته على النكاح ، ومنع من إنكاحها الأسود إذا كان فيه ضرر عليها ، وأجازه إن كان وكيله وأراد عفته بذلك - : فأول ذلك : أنها دعاوى بلا برهان .

ثم المناقضة في منعه إنكاحها إياه إذا كان فيه ضرر عليها ، ولا ضرر أعظم من الكراهة ، وإلا فلم خص الأسود لولا الكراهة له ، إذ لو راعى الضرر فقط لاستوى إنكاحها من قرشي أبيض ومن أسود إذا كان في ذلك ضرر من ضرب أو إجاعة غير الكراهة .

وأما من فرق بين إكراه الأمة فأجازه ، وبين إكراه العبد فلم يجزه فإنهم احتجوا بأنه لما كان الطلاق إلى العبد كان النكاح إليه ، ولما كان للسيد احتباس بضع الأمة لنفسه كان له أن يملك بضعها غيره .

قال أبو محمد : وهذا قياس ، والقياس كله باطل ، ثم لو صح شيء منه لكان هذا أسخف قياس في الأرض ، لأنهم لم يوافقوا على أن الطلاق بيد العبد ، بل جابر ، وابن عباس ، وغيرهما يقولان : الطلاق بيد السيد لا بيد العبد .

وأما قياسهم تمليك بضع الأمة لغيره كما له أن يحبسها لنفسه فسخف مضاعف ، لأنه لا خلاف أن للرجل احتباس بضع زوجته لنفسه أفتراهم يقيسون على ذلك تمليك بضعها لغيره ؟ إن هذا لعجب . [ ص: 57 ] وأما من أجاز إكراه العبد والأمة سواء على النكاح ، احتجوا بأن الله تعالى أمر بإنكاح العبيد والإماء ولم يشترط رضا .

وذكروا ما روينا من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج نا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في الأمة والعبد : لسيدهما أن يجمع بينهما ويفرق بينهما .

وبما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا جرير عن منصور عن إبراهيم قال : كانوا يكرهون المملوك على النكاح ويدخلونه على امرأته البيت ، ويغلقون عليهما الباب .

قال أبو محمد : أما قوله تعالى : في إنكاح العبيد والإماء فإنه عطف عز وجل على أمره بالنكاح الأيامى منا ولم يشترط فيهن رضاهن ، فليلزمهم أن يجيزوا بذلك إنكاح الحرة الثيب وإن كرهت إن طردوا أصلهم الفاسد . فإن شغبوا أيضا بقوله تعالى : { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } إلى قوله تعالى { فانكحوهن بإذن أهلهن } ولم يشترط رضاهن ؟ قلنا : وقد قال تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } ولم يشترط رضاهن ، وكل هذا قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن لا تنكح بكر حتى تستأذن ولا ثيب حتى تستأمر ولم يخص حرة من مملوكة : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ، { وما كان ربك نسيا } و { لتبين للناس ما نزل إليهم } فهذا هو البيان الذي لا يحتاج إلى غيره ، لا كالآراء المتخاذلة والدعاوى الفاسدة .

وأما خبر جابر : فليس لهم فيه متعلق ، لأن معنى قوله - رضي الله عنه - لسيدهما أن يجمع بينهما ويفرق فقول صحيح له أن يجمع بينهما بأن يهبها له وله أن يفرق بينهما بأن ينتزعها منه كما ينتزع سائر ماله وكسبه .

وأما قول إبراهيم : فلا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث