الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

الخاتمة

نحو ( تكنولوجيا ) إسلامية

لقد منحنا الإسلام مفتاحين للخلاص كلما حزب بنا الأمر، وضيقت حركة التاريخ الخناق علينا، وتجاوزتنا القيادات الأخرى، ووجدنا أنفسنا مدفوعين إلى مناطق العتمة والظلال..

أول هـذين المفتاحين: " التغير الذاتي " ، وثانيهما: " الإعداد الذاتي " وبدونهما لن تبدأ حرب صوب التقدم إلى المواقع الأمامية.. أبدا.. ولن يكون التجاوز والانطلاق..

وإننا لنجد في كلا المفتاحين مساحة واسعة تحتلها مسألة إعادة تشكيل العقل المسلم كشرط أساسي للتحقق بالتغيير الذاتي والإعداد الذاتي على السواء.. [ ص: 139 ]

فأما " التغيير الذاتي " فقد طرح القرآن الكريم حده الإيجابي بقوله: ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ... ) ( الأنفال : 53 ) .

وهو تغيير يمتد إلى المساحات كافة وسائر المكونات النفسية الأساسية: العقلية والروحية والجسدية وكل العلاقات والبنى الداخلية مع الذات ومع الآخرين والتي تمكن الإنسان المسلم والجماعة من مواجهة حركة التاريخ..

إن تأكيد الإسلام على القانون (التغيير) يعني أنه يمنح الإرادة البشرية المؤمنة فرصتها في صياغة المصير في التشبث به أو استعادته إذا ما أفلت من بين يديها.. ومن ثم فإنه ما أن تتهيأ هـذه الإرادة للعمل عن طريق الشحذ النفسي ، والاستعداد الروحي والعقلي والأخلاقي والجسدي -كذلك- حتى تكون قادرة على مواجهة التحديات من أي نوع كانت، وبأي درجة جاءت، فتعجنها وتصوغها من جديد لصالح الإنسان، وهكذا يعود الإنسان -في المنظور الإسلامي- لينتصر على التحديات وليستعيد قدرته الأبدية على التجدد والتطور والإبداع..

وليس ثمة ما يقف في طريق امتلاك ناصية التغيير الذاتي كالرؤية التجزيئية أو الموقف النصفي !!

لقد فهم كثير من المسلمين عملية التغيير فهما خاطئا، وتصوروها مجرد تجديد للتوثب الروحي، أو إعادة التزام بحشد من القيم [ ص: 140 ] الخلقية أو السلوكية التي دعا إليها الإسلام..

وسنقع في الخطأ نفسه لو قلنا.. إن الحل يكمن " فقط " في إعادة تشكيل العقل المسلم..

إن التغيير الذاتي عملية شاملة تغطي الطاقات البشرية كافة: عقلية وروحية وأخلاقية وسلوكية وجسدية.. وأي تجزيء في الرؤية أو الموقف يقتل المحاولة في المهد... ولكننا بتأكيدنا على التشكل، أو التغيير العقلي، إنما نعتمد ضرورة منهجية تضع في الاعتبار دوما سلما للأولويات، فتبدأ بالأهم فالمهم فالأقل أهمية.. ولما كان التركيز في عملية التغيير قد انصب في معظمه على الجوانب الأخرى بعيدا عن العقل، ولما كانت عملية إعادة التشكل العقلي ضرورة قصوى، وشرط حاسم لاستكمال عملية التغيير، كان وقوفنا عندها طويلا في هـذا البحث.. بل كان هـذا البحث بمثابة عرض وتحليل لهذه المعضلة بالذات..

مرة أخرى.. فإن التغيير الذات بمنظوره الشامل وبوضعيته المركبة وجهده المتعدد.. لهو أحد مفتاحين لابد منهما للتحقق بالقوة والفاعلية والخلاص..

فأما المفتاح الثاني فهو " الإعداد الذاتي " .. وإذا كان " التغيير " ينصب على الذات المسلمة في إطارها الفردي بالدرجة الأولى لكي ينسحب -من ثم- على الجماعة فيمكن لها في الأرض..

فإن " الإعداد " ينصب على الجماعة المسلمة بالدرجة الأولى لكي [ ص: 141 ] يحمي -من ثم- الذات المؤمنة من الحصار والتضييق في العالم..

والقرآن الكريم يقولها صراحة وبالتعبير نفسه :

( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ... ) ( الأنفال : 60 )

ولن يتحقق الإعداد المطلوب إن لم تستجش طاقات الإنسان المسلم كافة، ويعاد تشكيل عقله كما أراد الإسلام أن يكون، ليتمكن من أداء دوره في المهمة الكبيرة، وللوصول إلى شواطئ الأمن واليقين والتحقق بسياج القوة التي ترهب الأعداء، وتمكن للأمة الإسلامية في الأرض..

والعلم الحديث ليس ماردا كافرا لكي نتبرأ منه وندعو لحربه، ولكنه أداة حيادية يمكن أن نوظفها لخدمة ديننا وتعزيز عقيدتنا..

والعمل الحديث ليس ابن الحضارة الغربية وحدها لكي نتردد في احتضانه وتنشئته.. ولكنه تمخض أبدي لتراكم في الخبرة البشرية، وحضارات شتى أسهمت بها معظم شعوب الأرض الحية.. وكان لحضارة الإسلام نصيب وافر في وضع دعائمه وتصحيح منهاجه وطرح الكثير من معطياته..

وقد تكلمنا عن موقف الإسلام من العلم الحديث في غير هـذا المكان [ كتاب " مدخل إلى موقف القرآن من العلم " ]، ولن يتسع المجال هـنا لطرح ما قلناه هـناك، والنتيجة التي يطمئن إليها الإنسان إزاء المسألة وبإيجاز شديد أن معطيات القرآن الكريم قد امتدت لكي [ ص: 142 ] تشمل أطراف العلم جميعا، فتعالجها وتنير لها الطريق، وتبرمج لمناهجها وتقدم طرفا من كشوفها ونتائجها: الفلسفة " أو الأهداف " ، والمنهج، والحقائق، والتطبيقات..

إننا نجد العديد من المبادئ الأساسية للحياة الإسلامية التي تحدثنا عن بعض جوانبها، من مثل الاستخلاف والتسخير والتوازن والارتباط المحتوم بين معجزة الخلق ووجود الخالق. لا يمكن تنفيذها وتعزيزها وتعميق معطياتها في العالم دون اعتماد العلم أداة لتحقيق هـذه الأهداف... كأسلوب أو برنامج عمل لخدمة التصور الإسلامي الذي يقوم على هـذه الأسس.

ونجد القرآن الكريم يطرح لأول مرة كما سبق وأن مر بنا في سياق هـذا البحث منهجا حسيا تجريبيا للنشاط المعرفي هـو نفسه الذي يعتمده اليوم العلم الحديث..

هذا إلى أن القرآن الكريم طرح حشدا من الحقائق والكشوف العلمية في ميادين شتى، وخاصة الفلك والطبيعة والجغرافية والطب والنفس... إلى آخره جاءت معطيات العلم الحديث لكي تؤكدها وتزيدها اليوم إيضاحا.. مصداقا لقوله تعالى :

( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ... ) ( يونس : 39 ) ولقوله تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) ( فصلت : 53 ) .

أما التطبيقات " التقنية " التي تتمخض في نهاية الأمر عن منهج العلم [ ص: 143 ] وحقائقه النظرية الصرفة.. فإن للقرآن الكريم كلمته فيها هـي الأخرى.. وقد يبدو الأمر غريبا للوهلة الأولى.. إذ ما علاقة كتاب الله " بالتكنولوجيا " وهي نتاج يتميز بالجدة والحداثة لمعطيات العلم في شوط متأخر من مسيرته الطويلة؟!

ولكن الدهشة تزول إذا عرفنا جيدا أن القرآن الكريم قالها صراحة، وفي أكثر من موضع.. وأنها تواترت فيه حتى بلغت مرتبة اليقين.. ولكن أين الآذان التي تسمع، والعيون التي تبصر، والعقول التي تتدبر وتفكر وترى؟

وإذ كان هـذا الجانب من العلم الحديث يرتبط أشد الارتباط بما نحن بصدده من التحقق الإسلامي بالقوة ومن الدعوة إلى قيام عصر " التكنولوجيا الإسلامية " وتشكيل المجتمع الإسلامي التقني.. فسوف نقف عنده بعض الشيء في ختام رحلتنا هـذه مع " إعادة تشكيل العقل المسلم " رغم أننا كنا قد وقفنا عنده بمزيد من التفاصيل في أكثر من كتاب [ " التفسير الإسلامي للتاريخ " و " آفاق قرآنية " و " مدخل إلى موقف القرآن من العلم " ]...

إننا نطالع في القرآن الكريم هـذه الآيات:

( ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير * ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشاء [ ص: 144 ] من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور * فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين * لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) ( سبأ : 10 – 19 ) وفي مقطع آخر نجده في سورة ( ص:17 – 20 ) .. نقرأ تأكيدا واستكمالا للموقف :

( اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) ثم تعود الآيات تتحدث عن سليمان كرة أخرى:

( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب )

( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) ( ص : 35 – 39 )

إننا هـنا نلتقي باثنين من عباد الله المصطفين داود وسليمان عليهما السلم وقد سخرت لهما قوى الطبيعة الهائلة والطاقات الغيبية التي لا يحدها جدار زماني أو حاجز مكاني سخرت جميعا لكي تعمل تحت إمرة الإنسان المؤمن المسئول: الجياد، الطير، الحديد، الريح، القطر " النفط " .. في عدد مشار إليه من مساحات العمل " التقني " التطبيقي: صناعة وعمرانا وبناء وفنونا.. وتثير عجبنا في ميدان هـذا النشاط تلك الإشارات الواضحة إلى الحديد والوقود اللذين [ ص: 145 ] قد تبين لنا في قرننا العشرين هـذا كم هـما ضروريان أساسيان للحضارة المعاصرة، ولكل حضارة تريد أن تعمر وتصنع وتبني وتتفنن وتطبق.. ويثير عجبنا كذلك أن الله سبحانه لم يمنح الحديد فحسب لداود ولكنه يعلمه كيف يلينه فبدون هـذا لن تكون ثمة فائدة " صناعية " لهذا الخام الخطير..

إننا هـنا نلتقي بالإنسان المؤمن بل بالنبي الذي يبلغ من فهمه عن الله وشكره لنعمائه أن يمنحه خالقه هـذا القدر الكبير من القوى المذخورة، ويكشف له عن هـذه الطاقات الطبيعية الهائلة من أجل أن يبني ويعمر ويتفنن ويبدع ويبتكر، ويتقدم بالحياة صعدا على طريق الخلافة المسئولة المؤمنة الراشدة التي لا ينحرف بها هـذا النعيم الكبير عن التزام الموقع الصحيح في العلاقة المطلوبة بين الله والإنسان.

وفي سورة ( الحديد : 25 ) نقرأ هـذه الآية: ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز )

سورة الحديد؟ هـل ثمة أكثر دلالة على ارتباط المسلم بالأرض من تسمية سورة كاملة باسم خام من أهم وأخطر خاماتها؟ هـل ثمة أكثر إقناعا لنزعة التحضر والإبداع والبناء والتطبيق التي جاء الإسلام لكي يجعلها جزءا أساسيا من أخلاقيات الإيمان وسلوكيته في قلب العالم من هـذه الآية التي تعرض خام الحديد كنعمة كبيرة أنزلها الله لعباده [ ص: 146 ] وتعرض معها المسألة في طرفيها اللذين يتمخضان دوما عن الحديد: " البأس الشديد " متمثلا باستخدام الحديد كأساس للتسلح والإعداد العسكري و " المنافع " التقنية التي يمكن أن يحظى بها الإنسان من هـذه المادة الخام في مجالات نشاطه وبنائه " السلمي " ، وهل ثمة حاجة للتأكيد على الأهمية المتزايدة للحديد بمرور الزمن في مسائل السلم والحرب، وأنه غدا في عصرنا الراهن هـذا وسيلة من أهم الوسائل في ميادين القوى الدولية سلما وحربا ؟ إن الدولة المعاصرة التي تملك خام الحديد تستطيع أن " ترهب " أعداءها بما يتيحه لها هـذا الخام من مقدرة على التسلح الثقيل، وتستطيع -أيضا- أن تخطو خطوات تقنية واسعة لكي تقف في مصاف الدول الصناعية العظمى التي يشكل الحديد العمود الفقري لصناعتها وغناها؟!

إن كل موقف قرآني يشكل -ولا ريب- وحدة عضوية لا تنفصم عراه يمكن أن نحظى بأبعادها وصيغتها النهائية بمجرد أن نجمع إلى بعض كل الآيات التي تغذي هـذا " الموقف " وتشكل مادته الحية: في الاقتصاد، في الاجتماع، في السياسة، في التشريع، في النفس، في العلاقات الدولية، في العقائد، في الآداب، في المعاملات.. إلى آخره.. في كل قطاع من هـذه القطاعات نلتقي بعدد من المواقف المتكاملة المحبكة التي تصنعها وتصورها وتمنحها صيغتها النهائية مجموعة من الآيات والمقاطع المنبثة في ثنايا القرآن.

والآن نحن نتكلم عن الحديد نلتقي بسورة كاملة بهذا الاسم، ونتذكر في الوقت نفسه الآيات التي مرت بنا قبل قليل من سورة " سبأ " تلك التي تذكر نعمة الله على داود عليه السلام بتسييل الحديد!! وهي [ ص: 147 ] بصدد الحديث عن الإعمار والبناء والتصنيع، ونتذكر أيضا " ذا القرنين " وهو ينادي الجماعة المضطهدة لكي يحميها من الغزاة :

( آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا * فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) ( الكهف : 96 – 97 ) .

وتفرض آية أخرى نفسها لإتمام المسألة تلك التي تنادي الجماعة الإسلامية :

( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ... ) ( الأنفال : 60 )

لكي ما يلبث الإنسان المسلم والجماعة المسلمة أن يعتمدوا الحديد هـذا الخام الخطير المذكور في عدد من المواضع، والذي سميت إحدى السور باسمه مادة أساسية لإعداد " القوة " ، وإرهاب الأعداء في عالم يضيع فيه، ويداس من لا يملك القدرة على إرهاب أعدائه هـذه القدرة التي ترتبط دوما بمدى التقدم التقني " التكنولجي " ارتباطا عضويا، وتسير معه في المنحنيات نفسها التي يجتازها في أغلب الأحيان.

إننا يجب أن نلتفت -هنا- إلى ذلك التداخل والارتباط الصميمين في آية الحديد بين إرسال الرسل، وإنزال الكتب معهم، وإقامة الموازين الدقيقة لنشر العدل بين الناس، وبين إنزال الحديد الذي [ ص: 148 ] يحمل في طياته " البأس " ثم التأكيد على أن هـذا كله إنما يجيء لكي يعلم الله ( من ينصره ورسله بالغيب ) و ( إن الله قوي عزيز ) (الحديد:25) .. إنها العقيدة التي تعرف كيف تشد الإنسان إلى أعماق الأرض، وتدفعه إلى التنقيب فيها من أجل إعمارها وحمايتها.. وإن المسلم لن تحميه وتنصره إلا يده المؤمنة التي تعرف كيف تبحث عن الحديد، وتصوغه من أجل الحماية والتقدم والنصر.. وأنه -بمجرد أن يتخلى عن موقفه الفعال هـذا الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بحركة الجهاد الدائمة ويختار -بدلا من ذلك- مواقع الفرارن والانتظار الاتكالي لمعونة الله، فإنه يتناقض مع نفسه وعقيدته، وسوف يهزم لا محال ما دام قد أشاح عن هـذا النداء القرآني الذي يكاد يصرخ بأعلى نبرته أنه بدون الاعتماد الواعي المسئول الخبير على مصادر القوة والبأس فلن يكون هـناك " نصر " ولا " تقدم " ولا " حماية " للموازين والقيم العادلة التي جاء الدين لتنفيذها في الأرض، حتى لو ولو حبس المؤمنون أنفسهم في المساجد السنين الطوال يبكون ويتضرعون.

إن الدعوة لقيام مجتمع إسلامي " تكنولوجي " وبدء عصر " تكنولوجيا إسلامية " إنما هـو استمرار طبيعي لموقف الإسلام المفتوح من معطيات العلم في آفاقه، واستكمالا للدعوة إلى إعادة تشكيل العقل الإسلامي من أجل أن يكون أثر قدرة على استيعاب المتغيرات، وتطوير الحياة الإسلامية وحمايتها -في الوقت نفسه- من التفكك والعدوان.

إن " التكنولوجيا الإسلامية " التي ترتبط -بطبيعة الحال- بخلفيتها الإيمانية تعد " ضرورة " ملحة ليس فقط على مستوى الجماعة [ ص: 149 ] الإسلامية نفسها، ولكن على مستوى البشرية عامة.. لأنها ستعرف كيف تتحرك وتنضبط على هـدى القيم الدينية والإنسانية القادمة من عند الله، فتكون حقا في خدمة " الإنسان " الذي عانى الكثير من تكنولوجيا الكفر والعرقية والأنانية والعصيان..

إن على العقل المسلم الجديد أن يأخذ بتلابيب الطاقة التي كشف عنها النقاب والقوانين العلمية التي تحيل الطاقة إلى حركة وفعل وتطبيق وإبداع.. أن يمسك برقبة الزمن فيضيفه إلى المادة لتحقيق اللحاق بمسيرة الخصم والسبق عليه ما دامت قيم هـذا الدين تؤكد بإلحاح على فكرة الزمن، وعلى أن المؤمن الحق هـو الذي يعرف كيف " يسارع " وكيف " يسبق " !!!

وسواء شئنا أم أبينا فنحن -أولا وأخيرا- مسئولون عن هـزائمنا العقيدية، وانحطاطنا السياسي، وتخلفنا الحضاري.. ومرفوضة كل محاولة تسعى إلى اتخاذ ممارسات الأمم والجماعات الأخرى مشجبا لتعليق هـذه الهزائم وتبريرها.. ولن ينقذنا إلا فعلنا الخاص، ولن يعيدنا إلى موقعنا المتقدم إلا تحملنا الكامل لمسئوليتنا..

إن القرآن الكريم يؤكد في أكثر من موضع على أن أية أمة مؤمنة كانت أم غير مؤمنة إنما تحمل مسئوليتها كاملة إزاء نفسها، أمام الله، ثم أمام التاريخ، ولن يتحمل أبدا تبعة أمة أخرى إلا بالقدر الذي تفرضه عليها مسئوليتها ذاتها تجاه الإنسان والعالم. فكما أنه على المستوى الفردي يؤكد الإسلام مسئولية الإنسان عن أفعاله فحسب، فكذلك الحال على مستوى الأمم والجماعات: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت [ ص: 150 ] ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ... ) ( البقرة : 286 ) .

( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) ( البقرة : 141 ) .

ومن قبل تساءل المسلمون الذين انهزموا في معركة " أحد " عن سبب هـزيمتهم غير المتوقعة تلك.. فأجابتهم كلمات الله: ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هـذا قل هـو من عند أنفسكم ... ) ( آل عمران : 165 ) ...

والمفاتيح " عندنا " أولا وأخيرا فإن لم نصل اليوم الذي نبني " مختبراتنا " ونشغلها بعقولنا.. ونصنع سلاحنا ونستخدمه بأيدينا.. إن لم نعد تشكيل عقولنا لكي " تعمل " كما أراد لها الإسلام إن تعمل فلن تكون لنا خارطة، أو مكان في هـذا العالم، ولن يكون بمقدور ألف سنة أخرى من الاتكالية وصور التعبد والذكر القائمة أن تصنع المعجزة!!!

ذلك هـو التحدي الحقيقي الذي يقف قبالتنا صباح مساء..

وهذا هـو طريق الاستجابة المرسومة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ...

هذا هـو الجواب .... [ ص: 151 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث