الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا شرعا : فالنجس لا يخلو إما أن يقع في المائعات كالماء والخل ونحوهما ، وإما أن يصيب الثوب والبدن ومكان الصلاة ، فإن وقع في الماء ، فإن كان جاريا ، فإن كان النجس غير مرئي كالبول والخمر ونحوهما لا ينجس ، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، ويتوضأ منه من أي موضع كان من الجانب الذي وقع فيه النجس أو من جانب آخر ، كذا ذكره محمد في كتاب الأشربة لو أن رجلا صب خابية من الخمر في الفرات ، ورجل آخر - أسفل منه - يتوضأ إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه لا يجوز ، وإن لم يتغير يجوز وعن أبي حنيفة في الجاهل بال في الماء الجاري ، ورجل أسفل منه يتوضأ به قال : لا بأس به وهذا ; لأن الماء الجاري مما لا يخلص بعضه إلى بعض ، فالماء الذي يتوضأ به يحتمل أنه نجس ، ويحتمل أنه طاهر ، والماء طاهر في الأصل فلا نحكم بنجاسته بالشك ، وإن كانت النجاسة مرئية كالجيفة ونحوها ، فإن كان جميع الماء يجري على الجيفة لا يجوز التوضؤ من أسفل الجيفة ; لأنه نجس بيقين ، والنجس لا يطهر بالجريان ، وإن كان أكثره يجري على الجيفة فكذلك ; لأن العبرة للغالب وإن كان أقله يجري على الجيفة ، والأكثر يجري على الطاهر يجوز التوضؤ به من أسفل الجيفة ; لأن المغلوب ملحق بالعدم في أحكام الشرع ، وإن كان يجري عليها النصف أو دون النصف فالقياس أن يجوز التوضؤ به ; لأن الماء كان طاهرا بيقين فلا يحكم بكونه نجسا بالشك ، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطا ، وعلى هذا إذا كان النجس عند الميزاب والماء يجري عليه فهو على التفصيل الذي ذكرنا ، وإن كانت الأنجاس متفرقة على السطح ولم تكن عند الميزاب ، ذكر عيسى بن أبان أنه لا يصير نجسا ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، وحكمه حكم الماء الجاري .

وقال محمد : إن كانت النجاسة في جانب من السطح أو جانبين منه لا ينجس الماء ، ويجوز التوضؤ به ، وإن كانت في ثلاثة جوانب ينجس اعتبارا للغالب وعن محمد في ماء المطر إذا مر بعذرات ، ثم استنقع في موضع فخاض فيه إنسان ، ثم دخل المسجد فصلى لا بأس به ، وهو محمول على ما إذا مر أكثره على الطاهر ، واختلف المشايخ في حد الجريان قال بعضهم : هو أن يجري بالتبن والورق .

وقال بعضهم : إن كان بحيث لو وضع رجل يده في الماء عرضا لم ينقطع جريانه فهو جار وإلا فلا .

وروي عن أبي يوسف كان بحال لو اغترف إنسان الماء بكفيه لم ينحسر وجه الأرض بالاغتراف فهو جار وإلا فلا ، وقيل : ما يعده الناس جاريا فهو جار ، وما لا فلا ; وهو أصح الأقاويل ، وإن كان راكدا فقد اختلف فيه قال أصحاب الظواهر : إن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلا سواء كان جاريا أو راكدا ، وسواء كان قليلا أو كثيرا ، تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير .

وقال عامة العلماء : إن كان الماء قليلا ينجس ، وإن كان كثيرا لا ينجس ، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير قال مالك : إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل ، وإن لم يتغير فهو كثير وقال الشافعي : إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير ، والقلتان عنده خمس قرب ، كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين وخمسين منا وقال أصحابنا : إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل ، وإن كان لا يخلص فهو كثير .

فأما أصحاب الظواهر فاحتجوا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم { الماء طهور لا ينجسه شيء } ( واحتج ) مالك بقوله صلى الله عليه وسلم { خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه } وهو تمام الحديث ، أو بنى العام على الخاص عملا بالدليلين ( واحتج ) الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم { إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا } أي يدفع الخبث عن نفسه قال الشافعي : قال ابن جريج : أراد بالقلتين قلال هجر ، كل قلة يسع فيها قربتان وشيء ، قال الشافعي : وهو شيء مجهول فقدرته بالنصف احتياطا .

( ولنا ) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن [ ص: 72 ] يده في الإناء ، حتى يغسلها ثلاثا ، فإنه لا يدري أين باتت يده } ولو كان الماء لا ينجس بالغمس لم يكن للنهي والاحتياط ; لوهم النجاسة معنى ، وكذا الأخبار مستفيضة بالأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة } من غير فصل بين دائم ودائم وهذا نهي عن تنجيس الماء ; لأن البول والاغتسال فيما لا يتنجس لكثرته ليس بمنهي ، فدل على كون الماء الدائم مطلقا محتملا للنجاسة ، إذ النهي عن تنجيس ما لا يحتمل النجاسة ضرب من السفه ، وكذا الماء الذي يمكن الاغتسال فيه يكون أكثر من قلتين ، والبول والاغتسال فيه لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه .

وعن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما أنهما أمرا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح ماء البئر كله ، ولم يظهر أثره في الماء ، وكان الماء أكثر من قلتين ، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهما ولم ينكر عليهما أحد فانعقد الإجماع من الصحابة على ما قلنا ، وعرف بهذا الإجماع أن المراد بما رواه مالك هو الماء الكثير الجاري ، وبه تبين أن ما رواه الشافعي غير ثابت ; لكونه مخالفا لإجماع الصحابة رضي الله عنهم ، وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يرد ، يدل عليه أن علي بن المديني قال : لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبو داود السجستاني وقال : لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقدير الماء ; ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية ، ثم اختلفوا في تفسير الخلوص فاتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك ، وهو أنه إن كان بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص .

وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص وإنما اختلفوا في جهة التحريك ، فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف ، وروى محمد عنه أنه يعتبر التحريك بالوضوء - وفي رواية باليد - من غير اغتسال ولا وضوء ، واختلف المشايخ فالشيخ أبو حفص الكبير البخاري اعتبر الخلوص بالصبغ ، وأبو نصر محمد بن محمد بن سلام اعتبره بالتكدير ، وأبو سليمان الجوزجاني اعتبره بالمساحة فقال : إن كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص ، وإن كان دونه فهو مما يخلص وعبد الله بن المبارك اعتبره بالعشرة أولا ، ثم بخمسة عشر ، وإليه ذهب أبو مطيع البلخي فقال : إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز ، وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئا .

وروي عن محمد أنه قدره بمسجده فكان مسجده ثمانيا في ثمان ، وبه أخذ محمد بن سلمة ، وقيل : كان مسجده عشرا في عشر ، وقيل : مسح مسجده فوجد داخله ثمانيا في ثمان ، وخارجه عشرا في عشر وذكر الكرخي وقال : لا عبرة للتقدير في الباب ، وإنما المعتبر هو التحري ، فإن كان أكبر رأيه أن النجاسة خلصت إلى هذا الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز ، وإن كان أكبر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز ; لأن العمل بغالب الرأي ، وأكبر الظن في الأحكام واجب ، ألا يرى أن خبر الواحد العدل يقبل في نجاسة الماء وطهارته ، وإن كان لا يفيد برد اليقين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث