الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا

ولما تم ما هو عجب من مقالهم؛ ومآلهم؛ في سوء أحوالهم؛ وختم بتهديدهم؛ عطف على قوله: "وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم"؛ موجبا آخر للتهديد؛ معجبا من حالهم فيه؛ فقال: وقال الذين أشركوا ؛ أي: الراسخ منهم في هذا الوصف؛ والتابع له؛ على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد؛ من نبي؛ وغيره؛ محتجين بالقدر؛ عنادا منهم؛ ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل؛ بأنه - لقدرته على كل شيء - [ ص: 154 ] غير محتاج إلى بعث الرسل؛ فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم؛ فهو قول من يطلب العلة في أحكامه (تعالى)؛ وفي أفعاله -؛ وهو قول باطل؛ لأنه - سبحانه - الفعال لما يريد؛ سواء أطلع العباد على حكمته؛ أم لا: لو شاء الله ؛ أي: الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلما؛ عدم عبادتنا لغيره؛ ما عبدنا ؛ ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته؛ وكانت متفاوتة؛ وكان ما يعبدونه من الأصنام في أدناها رتبة؛ أدخلوا الجار؛ فقالوا: من دونه ؛ وأعرقوا في النفي؛ فقالوا: من شيء ؛ أي: من الأشياء؛ نحن ولا آباؤنا ؛ من قبلنا؛ ولما ذكروا الأصل؛ أتبعوه الفرع فقالوا: ولا حرمنا ؛ أي: على أنفسنا؛ من دونه ؛ أي: دون أمره؛ من شيء ؛ لأن ما يشاء لا يتخلف؛ على زعمكم؛ لكنه لم يشإ العدم؛ فقد شاء وجود ما نحن عليه؛ فنحن نتبع ما شاءه؛ لا نتغير عنه؛ لأنه لا يشاء إلا ما هو حق؛ وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه؛ الحق التي أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة؛ والشقاوة؛ إنما هو موافقة الأمر؛ لا موافقة الإرادة؛ فما كان من الفعل؛ والكف؛ على وفق الأمر؛ سعد فاعله؛ وما خالفه قامت به الحجة على فاعله؛ على [ ص: 155 ] ما جرت به عوائد الناس؛ فشقي.

فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة؛ وكان كأنه قيل - استبعادا لها -: هل قالها غيرهم؟ فقيل: نعم؛ كذلك ؛ أي: مثل هذا البعيد من السداد؛ والقول الخارج عن الهداية؛ والرشاد؛ وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل؛ مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة؛ فإنه (تعالى) يريد إظهار ثمرة الملك بالحكم؛ على ما يتعارفه العباد؛ من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية؛ وإن كانت بقضائه؛ لأن ذلك مستور عن العباد؛ فعل ؛ أي: كذب بدليل الإنعام؛ الذين ؛ ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله: من قبلهم ؛ وكان تكذيبا؛ لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله؛ والرسل يقولون: لا يرضاه؛ ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه؛ أو غير معاقب؛ فكان ذلك سببا للإنكار عليهم بقوله: فهل ؛ أي: فما؛ على الرسل ؛ أي: الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم؛ وهم الذين أرسلهم الله لدعاء العباد؛ خلفا عن سلف; ولما كان الاستفهام [ ص: 156 ] بمعنى النفي - كما تقدم -؛ إلا أنه صور بصورته؛ ليكون كدعوى الشيء بدليلها؛ فقال: إلا البلاغ المبين ؛ وقد بلغوكم؛ وأوضحوا لكم؛ فصار وبال العصيان خاصا بكم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث