الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ونحن نذكر كلام أبي حامد عليهم قال: مسألة في إبطال قولهم: إن الله -تعالى عن قولهم- لا يعلم الجزيئات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون.

قال: وقد اتفقوا على ذلك.

قلت: يعني اتفاق من عرف قوله منهم، وهم الذين ذكرهم ابن سينا، وإلا فأبو البركات قد حكى عنهم قولين، واختار هو أنه يعلم الجزئيات.

قال أبو حامد: فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه، [ ص: 180 ] فلا يخفى هذا من مذهبه.

ومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره، وهو الذي اختاره ابن سينا، فقد زعم أنه يعلم الأشياء علما كليا، لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي.

فلا بد أولا من فهم مذهبهم، ثم الاشتغال بالاعتراض، ونبين هذا بمثال، وهو أن الشمس مثلا تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ثم تنجلي، فتحصل له ثلاثة أحوال: أعني للكسوف حال هو فيها معدوم منتظر الوجود؛ أي سيكون. وحال هو فيها موجود؛ أي هو كائن. وحال ثالثة هو فيها معدوم، ولكنه كان من قبل.

ولنا بإزاء هذه الأحوال ثلاثة علوم مختلفة، فإنا نعلم أولا: أن الكسوف معدوم وسيكون، وثانيا: أنه كائن، وثالثا: أنه كان، وليس كائنا الآن.

وهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة، وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة، فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كما [ ص: 181 ] كان قبل، كان جهلا لا علما. ولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جاهلا، فبعض هذه لا يقوم مقام بعض.

فزعموا أن الله تعالى لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يؤدي إلى التغير، وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة، فإن العلم يتبع المعلوم، فإذا تغير المعلوم تغير العلم، وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة، والتغير على الله محال.

ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف، وجميع صفاته وعوارضه، ولكن علما يتصف به في الأزل والأبد، لا يختلف. مثل أن يعلم مثلا أن الشمس موجودة، وأن القمر موجود، وأنهما حصلا منه بوساطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولا مجردة، ويعلم أنها تتحرك حركات دورية ويعلم أن بين فلكيهما تقاطعا على نقطتين: هما الرأس والذنب، وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فتنكسف الشمس؛ إذ يحول جرم القمر بينها وبين أعين الناظرين، وتستتر الشمس عن الأعين، وأنه إذا جاوز العقدة مثلا [ ص: 182 ] بمقدار كذا، وهو سنة مثلا، فإنه تنكسف مثلا، وأن ذلك الانكساف يكون في جميعها أو ثلثها أو نصفها، وإنه يمكث ساعة أو ساعتين، وهكذا إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه، فلا يعزب عن علمه شيء.

ولكن علمه بهذا قبل الكسوف، وحال الكسوف، وبعد الانجلاء، على وتيرة واحدة، لا يختلف ولا يوجب تغيرا في ذاته، وكذا علمه بجميع الحوادث، فإنها إنما تحدث بأسباب، وتلك الأسباب لها أسباب أخرى، إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية، وسبب الحركة الدورية نفس السماوات.

التالي السابق


الخدمات العلمية