الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة عدمت المرأة الصداق بعد قبضها له

جزء التالي صفحة
السابق

1847 - مسألة : فإن عدم الصداق بعد قبضها له - بأي وجه - كأن تلف ، أو [ ص: 81 ] أنفقته : لم يرجع عليها بشيء ، والقول قولها في ذلك مع يمينها ، فإن وطئها قبل الدخول أو بعده : فلها المهر كله .

قال علي : إن كان المهر شيئا بعينه فتلف في يد الزوج ، فإن كانت قد طلبته منه فمنعها فهو غاصب وعليه ضمانه كله لها ، أو ضمان نصفه إن طلقها قبل الدخول ، فإن كان لم يمنعها إياه فهو تالف من مال المرأة ، ولا ضمان على الزوج فيه ، ولا في نصفه ، وطئها أو طلقها قبل الوطء .

وإن كان شيئا يصفه فهو ضامن له بكل حال ، أو لنصفه إن طلقها قبل الدخول فإن كانت المرأة قد قبضته ، فسواء كان بعينه أو بصفة ، فإن تلف عندها فهو من مصيبة الزوج إن طلقها قبل الدخول ، لأن الله تعالى يقول : { فنصف ما فرضتم } .

فإنما أوجب له الرجوع إن كان قد دفعه إليها بنصف ما دفع ، لا بنصف شيء غيره ، والذي دفع إليها هو الذي فرض لها ، سواء كان شيئا بعينه أو شيئا بصفة .

ولو لم يكن الذي دفع إليها هو الذي فرض لها لكان لا يبرأ أبدا مما عليه - فصح يقينا أنه إذا دفع إليها غير ما فرض لها ، أو على الصفة التي عقد معها فقد دفع إليها ما فرض لها بلا شك .

وإذا دفع إليها ما فرض لها فقد قبضت حقها ، فإن تلف فلم تتعد ولا ظلمت فلا ضمان عليها فإن أكلته أو باعته أو وهبته أو لبسته فأفنت أو أعتقته إن كان مملوكا ، فلم تتعد في كل ذلك بل أحسنت .

وقال تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } فلا ضمان عليها ، لأنها حكمت في مالها وحقها ، وإنما الضمان على من أكل بالباطل .

قال أبو محمد : فإن بقي عندها النصف فهو له ، وكذلك لو بقي بيده النصف فهو لها ، فلو تعدت أو تعدى عليه ضمن أو ضمنت .

وقال أبو حنيفة : والشافعي ، في كل ما هلك بيدها من الصداق بفعلها أو بغير فعلها فهي ضامنة له قيمة نصفه إن طلقها قبل الوطء - وهذا قول فاسد ، لما وصفنا من أنه يقضى لها بنصف غير الذي فرض لها ، وهذا خلاف القرآن ، وقد قلنا : إنها لم تعتد فلا ضمان عليها .

[ ص: 82 ] وقال مالك : ما تلف بيدها من غير فعلها ثم طلقها قبل الدخول فلا شيء له عليها .

قال : فلو أكلته أو وهبته ، أو كان مملوكا فأعتقته أو باعته ، ثم طلقها قبل الدخول : ضمنت له نصف ما أخذت إن كان له مثل ، أو نصف قيمته إن كان مما لا مثل له ، فإن كانت ابتاعت بذلك شورة فليس له إلا نصف الشيء الذي اشترت .

قال أبو محمد : وهذه مناقضات ظاهرة ; لأنه فرق بين ما أكلت ووهبت وأعتقت ، وبين ما تلف بغير فعلها ، ولا فرق بين شيء من ذلك ، لأنها في كل ذلك غير متعدية ، ولا ظالمة ، فلا شيء له عليها .

ثم فرق بين ما أعتقت وأكلت ووهبت ، وبين ما اشترت به شورة - وهذا قول لا يعضده برهان من قرآن ، ولا سنة صحيحة ، ولا من رواية سقيمة ، ولا من قول صاحب ، ولا من قياس .

وادعوا في ذلك عمل أهل المدينة ، وهذا احتجاج فاسد ، لأنه إن كان ذلك عمل الأئمة الذين كانوا بالمدينة - رضي الله عنهم - فيعيذهم الله تعالى من أن لا يأمروا بالحق عمالهم بالعراق والشام وسائر البلاد - وهذا باطل مقطوع به ممن ادعاه عليهم .

فإن ادعوا أنهم فعلوا فبدل ذلك أهل الأمصار كانت دعوى فاسدة ، ولم يكن فقهاء الأمصار أولى بالتبديل من تابعي المدينة .

وكل هذا باطل قد أعاذ الله جميعهم من ذلك فصح أنه اجتهاد من كل طائفة قصدت به الخير - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث