الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الوصايا باب الحث على الوصية والنهي عن الحيف فيها وفضيلة التنجيز حال الحياة [ ص: 41 ] عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه } رواه الجماعة واحتج به من يعمل بالخط إذا عرف )

التالي السابق


قوله : ( كتاب الوصايا ) قال في الفتح : الوصايا جمع وصية كالهدايا ، وتطلق على فعل الموصي ، وعلى ما يوصى به من مال أو غيره من عهد ونحوه فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء ، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم . وهي في الشرع عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت . قال الأزهري : الوصية من وصيت الشيء بالتخفيف أصيه إذا وصلته وسميت وصية لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته ، ويقال : وصية بالتشديد ووصاة بالتخفيف بغير همز . وتطلق شرعا أيضا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات قوله : ( ما حق ) ما نافية بمعنى ليس ، والخبر ما بعد إلا .

وروى الشافعي عن سفيان بلفظ : { ما حق امرئ يؤمن بالوصية } الحديث أي يؤمن بأنها حق ، كما حكاه ابن عبد البر عن ابن عيينة ورواه ابن عبد البر والطحاوي بلفظ : { لا يحل لامرئ مسلم له مال } وقال الشافعي : معنى الحديث : ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده ، وكذا قال الخطابي قوله : ( مسلم ) قال في الفتح : هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك ووصية الكافر جائزة في الجملة ، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع قوله : ( يبيت ) صفة لمسلم كما جزم به الطيبي قوله : ( ليلتين ) في رواية للبيهقي وأبي عوانة ليلة أو ليلتين ولمسلم والنسائي ثلاث ليال قال الحافظ : وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه .

واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد ، والمعنى [ ص: 42 ] لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة ، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير ، وكأن الثلاث غاية التأخير ; ولذلك قال ابن عمر : لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي عندي ، قال الطيبي : في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة : أي لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك قال العلماء : لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة ، ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء به عن قرب وقد استدل بهذا الحديث مع قوله تعالى { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } الآية على وجوب الوصية ، وبه قال جماعة من السلف منهم عطاء والزهري وأبو مجلز وطلحة بن مصرف في آخرين ، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم ، وبه قال إسحاق وداود وأبو عوانة الإسفراييني وابن جرير .

قال في الفتح : وآخرون وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة وليست بواجبة ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع وهي مجازفة لما عرفت وأجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة كما في البخاري عن ابن عباس قال : " كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل لكل واحد من الأبوين السدس " وأجاب القائلون بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون وأما من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله : " ما حق . . . إلخ " للجزم والاحتياط ، لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية .

وقيل : الحق لغة : الشيء الثابت ، ويطلق شرعا على ما يثبت به الحكم ، وهو أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا . وقد يطلق على المباح قليلا ، قاله القرطبي وأيضا تفويض الأمر إلى إرادة الموصي يدل على عدم الوجوب ولكنه يبقى الإشكال في الرواية المتقدمة بلفظ : { لا يحل لامرئ مسلم } وقد قيل : إنه يحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وقد اختلف القائلون بالوجوب ، فقال أكثرهم : تجب الوصية في الجملة ، وقال طاوس وقتادة وجابر بن زيد في آخرين : تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة وقال أبو ثور : وجوب الوصية في الآية .

والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كالوديعة والدين ونحوهما قال : ويدل على ذلك تقييده بقوله : " له شيء يريد أن يوصي فيه " قال في الفتح : وحاصله يرجع إلى قول الجمهور : إن الوصية غير واجبة بعينها ، وإنما الواجب بعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير سواء كان بتنجيز أو وصية ومحل الوصية إنما هو إذا كان عاجزا عن تنجيزه ولم يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحق بشهادته .

فأما إذا كان قادرا أو علم [ ص: 43 ] بها غيره فلا وجوب قال : وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة .

وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر ، ومكروهة في عكسه ، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه ، ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس " الإضرار في الوصية من الكبائر " رواه سعيد بن منصور موقوفا بإسناد صحيح ورواه النسائي مرفوعا ورجاله ثقات وقد استدل من قال بعدم وجوب الوصية بما ثبت في البخاري وغيره عن عائشة { أنها أنكرت أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى وقالت : متى أوصى وقد مات بين سحري ونحري ؟ } وكذلك ما ثبت أيضا في البخاري عن ابن أبي أوفى أنه قال : { إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوص } وأخرج أحمد وابن ماجه ، قال الحافظ : بسند قوي ، عن ابن عباس في أثناء حديث فيه { أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس قال في آخره : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص } .

قالوا : ولو كانت الوصية واجبة لما تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجيب بأن المراد بنفي الوصية منه صلى الله عليه وسلم نفي الوصية بالخلافة لا مطلقا ، بدليل أنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الوصية بعدة أمور ، { كأمره صلى الله عليه وسلم في مرضه لعائشة بإنفاق الذهيبة } كما ثبت من حديثها عند أحمد وابن سعد وابن خزيمة وفي المغازي لابن إسحاق عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال { لم يوص رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته إلا بثلاث لكل من الداريين والرهاويين والأشعريين بجاد مائة وسق من خيبر ، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان ، وأن ينفذ بعث أسامة } .

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس { وأوصي بثلاث : أن يجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم } الحديث .

وأخرج أحمد والنسائي وابن سعد عن أنس : { كانت غاية وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت : الصلاة وما ملكت أيمانكم } وله شاهد من حديث علي عند أبي داود وابن ماجه ومن حديث أم سلمة عند النسائي بسند جيد والأحاديث في هذا الباب كثيرة أورد منها صاحب الفتح في كتاب الوصايا شطرا صالحا .

وقد جمعت في ذلك رسالة مستقلة واستدلوا أيضا على توجيه نفي من نفى الوصية مطلقا إلى الخلافة بما في البخاري عن عمر قال : { مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف } وبما أخرجه أحمد والبيهقي عن علي : { أنه لما ظهر يوم الجمل قال : يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا } الحديث .

قال القرطبي : كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لعلي ، فرد ذلك جماعة من الصحابة ، وكذا من بعدهم فمن ذلك ما استدلت به عائشة ، يعني الحديث المتقدم ومن ذلك أن عليا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة ولا ذكره لأحد من الصحابة يوم السقيفة ، وهؤلاء ينتقصون عليا من حيث قصدوا تعظيمه ، لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى وصلابته إلى المداهنة والتقيد والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك ا هـ .

[ ص: 44 ] ولا يخفى أن نفي عائشة للوصية حال الموت لا يستلزم نفيها في جميع الأوقات ، فإذا أقام البرهان الصحيح من يدعي الوصاية في شيء معين قبل .

قوله : ( مكتوبة عند رأسه ) استدل بهذا على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة ، وخص محمد بن نصر من الشافعية ذلك بالوصية لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام قال الحافظ : وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به ، قالوا : ومعنى قوله : " وصيته مكتوبة عنده " أي بشرطها وقال المحب الطبري : إضمار الإشهاد فيه بعد وأجيب بأنهم استدلوا على اشتراط الإشهاد بأمر خارج كقوله تعالى : { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية .

وقال القرطبي : ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق وإلا فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة ا هـ وقد استوفينا الأدلة على جواز العمل بالخط في الاعتراضات التي كتبناها على رسالة الجلال في الهلال فليراجع ذلك فإنه مفيد

2521 - ( وعن أبي هريرة قال : { جاء رجل فقال : يا رسول الله أي الصدقة أفضل أو أعظم أجرا ؟ قال : أما وأبيك لتفتأن أن تصدق وأنت شحيح صحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان } رواه الجماعة إلا الترمذي )

قوله : ( أي الصدقة أفضل أو أعظم ) في رواية للبخاري " أفضل " وفي أخرى له " أعظم " قوله : ( لتفتأن ) بفتح اللام وضم الفوقية وسكون الفاء وبعدها فوقية أيضا ثم همزة مفتوحة ثم نون مشددة وهو من الفتيا ، وفي نسخة " لتنبأن " بضم التاء وفتح النون بعدها باء موحدة ثم همزة مفتوحة ثم نون مشددة من النبأ قوله : ( أن تصدق ) بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين وأصله أن تتصدق والتشديد على الإدغام

قوله : ( شحيح ) قال صاحب المنتهى : الشح : بخل مع حرص . وقال صاحب المحكم : الشح مثلث الشين والضم أولى . وقال صاحب الجامع : كأن الفتح في المصدر والضم في الاسم قال الخطابي : فيه أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه ، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل ، فلذلك شرط صحة البدن في الشح بالمال لأنه في الحالتين يجد للمال وقعا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر معه الفقر قال ابن بطال وغيره : لما كان الشح غالبا في الصحة فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر [ ص: 45 ] بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره

قوله : ( وتأمل ) بضم الميم : أي تطمع قوله : ( ولا تمهل ) بالإسكان على أنه نهي وبالرفع على أنه نفي ويجوز النصب قوله : { حتى إذا بلغت الحلقوم } أي قاربت بلوغه ، إذ لو بلغته حقيقة لم يصح شيء من تصرفاته ، والحلقوم : مجرى النفس ، قاله أبو عبيدة قوله : ( قلت لفلان كذا . . . إلخ ) قال في الفتح : الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال وقال الخطابي : فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الأخير الوارث ، لأنه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه ، وقال غيره : يحتمل أن يكون المراد بالجميع من يوصى له ، وإنما أدخل كان في الثالث إشارة إلى تقدير القدر له بذلك

وقال الكرماني : يحتمل أن يكون الأول الوارث والثاني الموروث والثالث الموصى له قال الحافظ : ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقرارا والحديث يدل أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في حال الصحة أفضل منه حال المرض لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال كما قال تعالى : { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء } وفي معنى الحديث قوله تعالى: { وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت } الآية .

وفي معناه أيضا ما أخرج الترمذي بإسناد حسن ، وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعا قال : { مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع } وأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد مرفوعا : { لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة }

2522 - ( وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فيجب لهما النار ، ثم قرأ أبو هريرة : { من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله } إلى قوله : { وذلك الفوز العظيم } } رواه أبو داود والترمذي ولأحمد وابن ماجه معناه ، وقالا فيه : " سبعين سنة " ) الحديث حسنه الترمذي ، وفي إسناده شهر بن حوشب ، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، ولفظ أحمد وابن ماجه الذي أشار إليه المصنف : { إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة [ ص: 46 ] فيعدل في وصيته فيدخل الجنة }

وفيه وعيد شديد وزجر بليغ وتهديد ، لأن مجرد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النار بعد العبادة الطويلة في السنين المتعددة فلا شك أنها من أشد الذنوب التي لا يقع في مضيقها إلا من سبقت له الشقاوة ، وقراءة أبي هريرة للآية لتأييد معنى الحديث وتقويته ، لأن الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصية بعدم الضرار ، فتكون الوصية المشتملة على الضرار مخالفة لما شرعه الله تعالى وما كان كذلك فهو معصية

وقد تقدم قريبا عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا بإسناد صحيح أن وصية الضرار من الكبائر ، وذلك مما يؤيد معنى الحديث ، فما أحق وصية الضرار بالإبطال من غير فرق بين الثلث وما دونه وما فوقه وقد جمعت في ذلك رسالة مشتملة على فوائد لا يستغنى عنها



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث