الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الشرط الخامس لوجوب الحج والعمرة ملك الزاد والراحلة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل الشرط الخامس لوجوب الحج والعمرة ملك الزاد والراحلة ، نص عليه ( و هـ ش ) وأكثر العلماء .

وقاله بعض المالكية ، ومذهب ( م ) لا يشترط ذلك إلا لمن يعجز عن السفر ولا حرفة له ، فإن أمكنه المشي والتكسب بالصنعة فعليه الحج ، وفيمن عادته السؤال والعادة إعطاؤه قولان للمالكية ، واعتبر ابن الجوزي في كشف المشكل الزاد والراحلة في حق من يحتاجهما كقول مالك ، قال في الرعاية : وقيل : من قدر أن يمشي عن مكة مسافة القصر لزمه الحج والعمرة ، لأنه مستطيع ، فيدخل في الآية ، ولأن القدرة على الكسب كالمال في حرمان الزكاة ووجوب الجزية ونفقة القريب الزمن والمدين لوفاء دينه ، فكذا هنا . وعندنا [ ص: 227 ] وعند الأولين يستحب لمن أمكنه المشي والكسب بالصنعة ، ويكره لمن حرفته المسألة : وقد قال أحمد فيمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة لا أحب له ذلك يتوكل على أزواد الناس ، واختلف الأصحاب في قوله : لا أحب ، هل هو للتحريم ؟ والتوكل على الله واجب . قال شيخنا : باتفاق أئمة الدين . واحتجوا بما رواه سعيد : حدثنا خالد بن عبد الله عن يونس عن الحسن مرسلا { قيل : يا رسول الله ، ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة } ورواه أيضا عن هشيم حدثنا يونس عن الحسن مرسلا ، ورواه أحمد عن هشيم ، سأل مهنا أحمد : هل شيء يجيء عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو صحيح ما نكاد نجدها إلا صحيحة ولا سيما مثل هذا المرسل ، فلا يضر قوله في رواية الفضل بن زياد : ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء ، كأنهما كانا يأخذان من كل ، ولعله أراد مرسلات خاصة ، وعن قتادة عن أنس مرفوعا مثله ، له غير طريق . وبعضها جيد ، رواه أبو بكر بن مردويه والدارقطني ، والحاكم وقال : حديث صحيح ، والبيهقي وقال : المحفوظ عن قتادة وغيره عن الحسن مرسل ، كذا قال .

وقال الحافظ ضياء الدين : بعض طرقه لا بأس بها .

وقال صاحب المحرر : إسناده جيد ، وقد روى الدارقطني وغيره هذا الخبر عن جماعة كثيرة من الصحابة مرفوعا ، ولا يصح منها شيء ، وتوقف صاحب المحرر في غير حديث منها ، وردد النظر فيه ، وليس الأمر كذلك ، ورواه الترمذي [ ص: 228 ] من حديث ابن عمرو قال : والعمل عليه عند أهل العلم ، وحسنه الترمذي وليس بحسن فإنه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك ، ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ، وفيه عمر بن عطاء بن وراز وهو ضعيف ، وقياسا على الجهاد . وعند المالكية لا يعتبر فيه زاد ولا راحلة ، فالدليل عليه قوله تعالى { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } الآية ، ولا تجب الزكاة والكفارة بالقدرة على الكسب ، فكذا الحج ، وقد تزول القدرة في الطريق فيفضي إلى ضرر كثير ، بخلاف ما ذكروه ، والله أعلم . ويعتبر الزاد قربت المسافة أو بعدت ( و هـ ش ) والمراد إن احتاج إليه ، ولهذا قال ابن عقيل في الفنون : الحج بدني محض ، ولا يجوز دعوى أن المال شرط في وجوبه ، لأن الشرط لا يحصل المشروط دونه ، وهو المصحح للمشروط . ومعلوم أن المكي يلزمه ولا مال ، وقاله الحنفية . وتعتبر الراحلة مع بعدها وهو مسافة القصر فقط ، ( و هـ ش ) إلا مع عجز ، كشيخ كبير ، لأنه لا يمكنه ، قال في الكافي : لا حبوا ولو أمكنه ، وهو مراد غيره . ويعتبر ملك الزاد ، [ ص: 229 ] فإن وجده في المنازل لم يلزمه حمله ، وإلا لزمه ( و هـ ش ) وأن يجده بثمن مثله ، وإن وجده بزيادة فهي كمسألة شراء الماء للوضوء ، كما سبق ( و هـ ش ) وفرق أبو الخطاب فاشترط لوجوب بذل الزيادة كونها يسيرة في الماء ، لتكرر عدمه ، وله بدل ، بخلاف الحج ، ولأنه التزم فيه المشاق ، فكذا زيادة ثمن لا يجحف ، لئلا يفوت ، وهو الذي في المستوعب والكافي والرعاية وغيرها . وتعتبر القدرة على وعاء الزاد ، لأنه لا بد منه ، وتعتبر الراحلة وما يحتاج من آلتها بشراء أو كراء صالحا لمثله عادة ، لاختلاف أحوال الناس ، لأن اعتبار الراحلة للقادر على المشي لدفع المشقة ، كذا ذكره بعضهم ، كالشيخ ، ولم يذكره بعضهم ، لظاهر النص ، واعتبر في المستوعب إمكان الركوب ، مع أنه قال : راحلة تصلح لمثله وإن لم يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبر من يخدمه ، لأنه من سبيله ، كذا ذكره الشيخ ، وظاهره لو أمكنه [ لزمه ] عملا بظاهر النص ، وكلام غيره يقتضي أنه كالراحلة ، لعدم الفرق ، والمراد بالزاد أن لا يحصل معه ضرر لرداءته ، وأما عادة مثله فقد يتوجه احتمال كالراحلة ، وظاهر كلامهم يلزمه ، لظاهر النص ، ولئلا يفضي إلى ترك الحج ، بخلاف الراحلة . ويعتبر الزاد والراحلة لذهابه وعوده ، خلافا لبعض الشافعية إن لم يكن له في بلده أهل لم يعتبر للعود ، لأنه وإن تساوى المكانان فإنه يستوحش الوطن والمقام بالغربة ( و هـ ش ) . [ ص: 230 ] ويعتبر أن يجد الماء والعلف في المنازل التي ينزلها بحسب العادة بثمن مثله أو بالزيادة المذكورة ، ولا يلزمه حمله لجميع سفره ، لمشقته عادة ، وذكر ابن عقيل : يلزمه حمل علف البهائم إن أمكنه ، كالزاد ، وأظن أنه ذكره في الماء أيضا . ويعتبر كون ذلك فاضلا عما يحتاجه لنفسه وعائلته من مسكن ( و ش ) وخادم وما لا بد منه ( و هـ ش ) خلافا لبعض الشافعية ، ويشتريهما بنقد بيده ، خلافا لأبي يوسف في المسكن ، لأن ذلك لا يلزمه في دين الآدمي ، على ما يأتي ، وتضرره بذلك فوق مشقة المشي في حق القادر عليه . وإن فضل من ثمن ذلك ما يحج به بعد شرائه منه ما يكفيه لزمه . ويعتبر كونه فاضلا عن قضاء دين حال أو مؤجل لآدمي أو لله ، ونفقة عياله إلى أن يعود ( و هـ ش ) وأن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام من عقار أو بضاعة أو صناعة ، جزم به صاحب الهداية ومنتهى الغاية وجماعة ، لتضرره بذلك ، كما سبق . وكالمفلس [ على ] ما يأتي [ إن شاء الله ] وقال في الروضة والكافي : إلى أن يعود فقط ، وقدمه في الرعاية ( و هـ ش ) فيتوجه أن المفلس مثله وأولى . وقد نقل أبو طالب : يجب عليه الحج إذا كان معه نفقة تبلغه مكة ويرجع ، ويخلف نفقة لأهله حتى يرجع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث