الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة كل ما له نصف قل أو كثر جاز أن يكون صداقا

جزء التالي صفحة
السابق

1851 - مسألة : وجائز أن يكون صداقا كل ما له نصف قل أو كثر ولو أنه حبة بر أو حبة شعير أو غير ذلك ، وكذلك كل عمل حلال موصوف ، كتعليم شيء من القرآن أو من العلم أو البناء أو الخياطة أو غير ذلك إذا تراضيا بذلك - وورد في هذا اختلاف .

كما روينا من طريق وكيع عن داود بن يزيد الأودي عن الشعبي عن علي - رضي الله عنه - قال : لا يكون صداق أقل من عشرة .

ومن طريق عبد الرزاق عن حسن صاحب له عن شريك عن داود بن يزيد الأودي عن الشعبي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم - : وبه إلى حسن المذكور أخبرني المغيرة عن إبراهيم النخعي قال : " أكره أن يكون المهر مثل أجر البغي ، ولكن العشرة دراهم والعشرون " وبه يقول أبو حنيفة ، وأصحابه .

وعن إبراهيم روايتان غير هذه صحيحتان - :

إحداهما : رويناها من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي قال : لا يتزوج الرجل على أقل من أربعين .

والأخرى : رويناها من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي قال : السنة في النكاح الرطل من الفضة .

وروينا من طريق شعبة عن أبي سلمة الكوفي قال : سمعت الشعبي يقول : كانوا يكرهون أن يتزوج الرجل على أقل من ثلاثة أواق .

ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا حسام بن المصك عن أبي معشر عن سعيد بن جبير : أنه كان يحب أن يكون الصداق خمسين درهما .

قال أبو محمد : أما الرواية عن الشعبي فساقطة ، لأنها عن أبي سلمة الكوفي - ولا يدرى من هو - ولو صحت لكانت هي والروايتان عن إبراهيم في الأربعين : إما درهما ، وإما أوقية ، وإما دينارا .

والرواية عن سعيد بن جبير قول بلا برهان ، وما كان هكذا فهو باطل .

[ ص: 92 ] وأما الرواية عن إبراهيم بالعشرة دراهم فساقطة ; لأنها عن حسن صاحب عبد الرزاق - ولا يدري أحد من هو .

والرواية عن علي - رضي الله عنه - باطل ، لأنها عن داود بن يزيد الأودي - وهو في غاية السقوط ، كان الشعبي يقول : إذا رأى اختلاطه لا تموت حتى تكون في رأسك ثلاث كيات ، قال الراوي : فما مات حتى كوي في رأسه ثلاث كيات .

ثم هي مرسلة ، لأن الشعبي لم يسمع من علي قط حديثا .

واحتجوا لقولهم هذا الفاسد بخبرين موضوعين - :

أحدهما - عن حرام بن عثمان عن ابني جابر بن عبد الله عن أبيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا صداق أقل من عشرة دراهم } .

والآخر - عن بقية عن مبشر بن عبيد الحلبي عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء ، وعمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا مهر دون عشرة دراهم } .

وقالوا : النكاح استباحة فرج - وهو عضو منها - فوجب أن لا يجوز إلا بما تقطع فيه اليد - وقد احتج المالكيون بهذه التشعيبة الساقطة أيضا .

قال أبو محمد : لا حجة لهم غير ما ذكرنا ، والحديثان المذكوران مكذوبان بلا شك - أحدهما : من طريق حرام بن عثمان - وهو في غاية السقوط - لا تحل الرواية عنه - والآخر : من طريق مبشر بن عبيد الحلبي - وهو كذاب مشهور بوضع الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الحجاج بن أرطاة - وهو ساقط - ولو صح لكانوا قد خالفوه ، لأنهم يجيزون النكاح على دينار لا يساوي عشرة دراهم .

فبطل كل ذلك - والحمد الله رب العالمين .

وأما قولهم : إنه قياس على قطع يد السارق ؟ فهو أسخف قياس في العالم ، لأنه لا شبه بين النكاح والسرقة - وأيضا : فإن اليد تقطع ألبتة والفرج لا يقطع ، والنكاح طاعة ، والسرقة معصية ، ولو قاسوا إباحة الفرج على إباحة الظهر في حد الخمر ، لكان [ ص: 93 ] أدخل في مخازي القياس وسخافاته ; لأن كليهما عضو مستور لا يقطع ، وقبل وبعد فما صح قط أن لا قطع في أقل من عشرة دراهم ، فهو باطل متيقن على باطل ، وخطأ مشبه بخطأ - فسقط هذا القول الفاسد .

وقال مالك : لا يكون أقل من ثلاثة دراهم ، وقاسوه على قطع اليد ، وقد مضى الكلام في سقوط هذا القول آنفا .

وما جاء نص قط بأن لا قطع في أقل من ثلاثة دراهم ، إنما صح النص { لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا } ، وهم لا يراعون في القطع ولا في الصداق ربع دينار في القيمة أصلا ، فلاح بطلان كل ما قالوه بيقين لا إشكال فيه .

وموه المالكيون أيضا بأن قالوا : قال الله عز وجل { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } .

قالوا : فلو جاز الصداق بما قل أو كثر لكان كل أحد واجد الطول لحرة مؤمنة ؟ قال أبو محمد : لا ندري على ما نحمل هذا القول من قائله ، إلا أننا لا نشك في أنه لم يحضره فيه من الورع [ قليل ] وتقوى الله تعالى حاضر ، لأنهم لا يختلفون في أنه لا يجوز أن يكون صداق الأمة المتزوجة أقل من صداق الحرة ، فكيف يفرقون بعد هذا بين وجود الطول لنكاح حرة ، وبين وجود الطول لنكاح أمة - ونعوذ بالله من التمويه في دين الله عز وجل بما ندري أنه باطل قاصدين إليه عمدا .

وقال بعضهم : كيف يجوز أن يكون الصداق بما قل أو كثر ولا تكون المتعة في الطلاق إلا محدودة ؟ قلنا : لأن الله تعالى لم يحد في الصداق حدا إلا ما تراضيا به ، وحد في المتعة في الطلاق { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } فالفرق بين الأمرين أوضح من الشمس عند من لا يتعدى حدود الله تعالى .

وأعجب شيء قول بعضهم : إن الله عز وجل عظم أمر الصداق ، فلا يجوز أن يكون قليلا ؟ قلنا : هذا العجب حقا إنما عظم الله تعالى أمر الصداق في إيجاب أدائه ، وتحريم أخذه بغير رضاها ، وهذا موجود في كل حق ، قال الله عز وجل : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } .

[ ص: 94 ] وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام { اتقوا النار ولو بشق تمرة } ولا عظيم أعظم من اتقاء النار .

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم { من حلف على منبري بيمين آثمة وجبت له النار وإن كان قضيبا من أراك } ثم أغرب شيء من أين وقع لهم أن ثلاثة دراهم كثير ، وأن ثلاثة دراهم غير حبة قليل ؟

وتخليط هذه الطوائف أكثر من أن يحصيه إلا محصي أنفاسهم عز وجل .

قال أبو محمد : فإذ قد ظهر بطلان أقوالهم لا سيما قول مالك ، فإنه لا نعرفه عن أحد من أهل العلم قبله .

وقول أبي حنيفة لم يصح عن أحد من أهل العلم قبله ، فلنورد البرهان على صحة قولنا - : قال الله عز وجل : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } .

وقال تعالى : { وآتوهن أجورهن بالمعروف } .

وقال تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } .

فلم يذكر الله عز وجل في شيء من كتابه الصداق فجعل فيه حدا بل أجمله إجمالا : { وما كان ربك نسيا } ونحن نشهد بشهادة الله عز وجل { في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } أن الله عز وجل لو أراد أن يجعل للصداق حدا لا يكون أقل منه لما أهمله ولا أغفله حتى يبينه له أبو حنيفة ، ومالك - وحسبنا الله ونعم الوكيل .

والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روينا من طريق البخاري : نا عبد الله بن يوسف نا مالك بن أنس ، وعبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال { : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ، وفيه فقام الرجل فقال : زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ؟ قال : هل عندك شيء تصدقها ؟ قال : ما عندي إلا إزاري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا ؟ قال : ما أجد شيئا ، قال : التمس ولو خاتما من حديد ؟ فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال : أمعك من القرآن [ ص: 95 ] شيء ؟ قال : نعم سورة كذا وسورة كذا ، قال : قد زوجناكها بما معك من القرآن } .

ومن طريق البخاري نا يحيى نا وكيع عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل تزوج ولو بخاتم من حديد } .

ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبي شيبة نا الحسين بن علي عن زائدة عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال : { جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله قد وهبت نفسي لك فاصنع في ما شئت ؟ فقال له شاب عنده : يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ؟ قال : أوعندك شيء تعطيها إياه ؟ قال : ما أعلمه ، قال : فانطلق فاطلب فلعلك تجد شيئا ، ولو خاتما من حديد ؟ فأتاه فقال : ما وجدت شيئا إلا إزاري هذا ، قال : إزارك هذا إن أعطيتها إياه لم يبق عليك شيء ، قال : أتقرأ أم القرآن ؟ قال : نعم ، قال : فانطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن } .

نا حمام بن أحمد القاضي نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا عبد الله بن يونس المرادي نا بقي بن مخلد نا أبو بكر بن أبي شيبة نا الحسن بن علي - هو الجعفي - عن زائدة عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي { أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا من امرأة على أن يعلمها سورة من القرآن }

قال أبو محمد : والحديث مشهور ومنقول نقل التواتر من طريق الثقات - : رويناه أيضا من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاري ، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وسفيان بن عيينة ، وحماد بن زيد ، ومعمر ، ومحمد بن مطرف ، وفضيل بن سليمان ، وغيرهم ، كلهم عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 96 ] قال أبو محمد : فاعترض من لم يتق الله عز وجل ولا استحيا من الكذب في هذا فقال : إنما كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من حديد مزينا يساوي عشرة دراهم من فضة ، أو ثلاثة دراهم من فضة خالصة - فقول يضحك الثكلى ويسيء الظن بقائله ; لأنها مجاهرة بما لم يكن قط ، ولا خلقه الله عز وجل قط في العالم أن تكون حلقة من حديد وزنها درهمان تساوي ما ذكروا ولا سيما في المدينة " وقد علم كل ذي حظ من التمييز أن مرورهم ومساحيهم لحفير الأرض ، وشوافرهم وفؤوسهم لقطع الحطب ، ومناجلهم لعمل النخل ، وحصاد الزرع ، وسككهم للحرث ، ومزابرهم للزرجون ، ودروعهم ورماحهم ، كل ذلك من حديد فمن أين استحلوا أن يخبروا عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكذبة السخيفة ؟ ونسأل الله العافية .

وإن من لجأ إلى المحال الممتنع في نصر باطله ، لقد يدل فعله هذا على صفات سوء في الدين ، والحياء والعقل .

واعترضوا على أن يكون الصداق تعليم القرآن بخبر : رويناه من طريق ابن أبي شيبة نا عفان بن مسلم نا أبان بن يزيد العطار حدثني يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به } .

وبالخبر الذي رويناه من طريق { أبي بن كعب أنه علم رجلا القرآن فأهدى إليه فرسا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحب أن تأتي الله في عنقك يوم القيامة نار } .

وفي بعض ألفاظه { إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها } وفي بعضها { جمرة بين كتفيك تقلد بها أو تعلقها } .

قال أبو محمد : وهذه آثار واهية لا تصح - : أما حديث { لا تأكلوا به } فرواية أبي راشد الحبراني - وهو مجهول . ثم لو صح لم تكن لهم به حجة ، لأن الأكل أكلان : أكل بحق ، وأكل بباطل ، فالأكل بحق حسن ، [ ص: 97 ] وقد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة - كمصعب بن عمير وغيره - يعلمون الأنصار القرآن والدين ، وينفق الأنصار عليهم .

قال الله تعالى : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } فأنكر الله عز وجل على من نهاهم عن النفقة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد النكير .

وأما حديث أبي بن كعب : فإن أحد طرقه في روايته الأسود بن ثعلبة - وهو مجهول - لا يدرى من هو .

والأخرى : من طريق أبي زيد عبد الله بن العلاء - وهو مجهول - لا يدرى من هو .

والثالثة : من طريق بقية - وهو ضعيف - فسقطت كلها .

والصحيح من ذلك ضد هذا ، وهو - : ما رويناه من طريق البخاري نا سيدان بن مضارب الباهلي نا أبو معشر البراء - هو يوسف بن يزيد - حدثني عبيد الله بن الأخنس أبو مالك عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس { أن رجلا قال : يا رسول الله آخذ على كتاب الله أجرا ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله عز وجل . }

ومن طريق أبي داود نا عبد الله بن معاذ نا أبي نا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن خارجة بن الصامت عن عمه { أنه رقى مجنونا بأم القرآن فأعطاه أهله شيئا ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ، فلعمري من أكل برقية باطل ، لقد أكلت برقية حق } .

فصح أن الأكل بالقرآن في الحق وفي تعليمه حق ، وأن الحرام إنما هو أن يأكل به رياء ، أو لغير الله تعالى .

وموهوا بالخبر الساقط الذي رويناه من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا أبو عرفجة الفاشي [ ص: 98 ] عن أبي النعمان الأزدي قال { زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن ، ثم قال : لا يكون لأحد بعدك مهرا } .

فهذا خبر موضوع ، فيه ثلاث عيوب - :

أولها - أنه مرسل ، ولا حجة في مرسل ، إذ رواه شعبة عن أيوب .

والثاني - أن أبا عرفجة الفاشي مجهول لا يدري أحد من هو .

والثالث - أن أبا النعمان الأزدي مجهول أيضا لا يعرفه أحد .

وموه بعضهم بالخبر الذي فيه : أن أبا طلحة تزوج أم سليم - رضي الله عنهما - على أن يسلم ، فلم يكن لها مهر غيره ، وهذا لا حجة لهم فيه لوجهين - :

أحدهما : أن ذلك كان قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدة ، لأن أبا طلحة قديم الإسلام ، من أول الأنصار إسلاما ، ولم يكن نزل إيجاب إيتاء النساء صدقاتهن به .

الثاني : أنه ليس في ذلك الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك - وقال بعضهم : هذا خاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال أبو محمد : وهذا كذب - برهان ذلك - : قول الله عز وجل : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } فكل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فالفضل لنا والأجر والإحسان في أن نفعل كما فعل ائتساء به ، والمانع من ذلك مخطئ ، والراغب عن سنته ظالم لنفسه هالك ، إلا أن يأتي نص قرآن أو سنة ثابتة بأنه خصوصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحل أن يعمل به حينئذ .

والعجب كله أن هؤلاء يأتون إلى ما عمله - عليه الصلاة والسلام - ولم يخبر المؤمنين أنه خاص له فيقولون : هو خاص له ثم يأتون إلى نكاح الموهوبة ، وقد نص الله عز وجل على أنها خالصة له - عليه الصلاة والسلام - دون المؤمنين فيقولون : هو عام لكل أحد - نعوذ بالله مما ابتلوا به .

وقال بعضهم : أرأيت إن طلقها قبل الدخول ؟

فقلنا : إن كان قد علمها السورة التي أصدقها تعليمها فقد استوفت صداقها ، ولا سبيل لها إليه ، لأنه عرض قد انقضى - وإن كان لم يعلمها إياه فعليه أن يعلمها نصفها [ ص: 99 ] فقط ، وهذا لا يحرم على أحد - يعني تعليم امرأة أجنبية - وقد كلم أمهات المؤمنين الناس .

قال أبو محمد : وقال بقولنا طائفة من السلف - : روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن إسماعيل عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : لو رضيت بسواك من أراك لكان مهرا .

ومن طريق وكيع عن الحسن بن صالح بن حي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : " ليس على أحد جناح أن يتزوج بقليل ماله أو كثيره إذا استشهدوا وتراضوا " .

وروي عن عبد الرحمن بن مهدي عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : " من أعطى في صداق امرأة ملء حفنة من سويق أو تمر فقد استحل " .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حميد عن أنس بن مالك { أن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت امرأة من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كم سقت إليها ؟ قال : وزن نواة من ذهب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة } .

قال عبد الرزاق : فأخبرني إسماعيل بن عبد الله عن حميد عن أنس قال : وذلك دانقان من ذهب .

قال أبو محمد : الدانق : سدس الدرهم الطبري - وهو الأندلسي - فالدانقان وزن ثلث درهم أندلسي ، وهو سدس المثقال من الذهب .

وهذا خبر مسند صحيح .

فإن قيل : فقد رويتم من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا حجاج - هو ابن أرطاة - عن قتادة عن أنس في النواة المذكورة أنها قومت بثلاث دراهم ؟ قلنا : حجاج ساقط ولا يعارض بروايته رواية عبد الرزاق .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء : أنه قال في الصداق : أدنى ما يكفي : خاتمه ، أو ثوب يرسله .

[ ص: 100 ] قال ابن جريج : وقال عمرو بن دينار ، وعبد الكريم : أدنى الصداق ما تراضوا به .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن يزيد بن قسيط قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : لو أصدقها سوطا حلت له .

نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا أبو أحمد الزبيري نا عبد العزيز بن أبي داود عن سعيد بن المسيب أنه زوج ابنته ابن أخيه ، فقيل له : أصدق ؟ فقال : درهمين .

ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا يونس بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول في الصداق : هو على ما تراضوا عليه من قليل أو كثير ، ولا يؤقت شيئا .

قال سعيد : نا خالد بن عبد الله - هو الطحان - عن يونس بن عبيد عن الحسن قال : ما تراضوا به عليه فهو صداق .

ومن طريق سحنون عن عبد الله بن وهب أخبرني عثمان بن الحكم عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال : يحل المرأة ما رضيت به من قليل أو كثير .

قال ابن وهب : وأخبرني رجال من أهل العلم عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وابن قسيط ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن : أنه يجوز من الصداق درهم .

قال أبو محمد : وهو قول سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن حي والليث بن سعد ، وابن أبي ليلى ، وابن وهب صاحب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي سليمان ، وأصحابهم ، وجملة أصحاب الحديث ممن سلف وخلف - وبالله تعالى التوفيق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث