الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

المسألة السابعة والعشرون : قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة } : يعني انتفع ، وقد رويت متعتان : إحداهما : ما كان من فسخ الحج في العمرة .

والثانية : ما كان من الجمع بين الحج والعمرة في إحرام أو سفر واحد .

فأما فسخ الحج إلى العمرة فروى الأئمة عن ابن عباس قال : كانوا يرون العمرة في أشهر الحرم من أفجر الفجور ، ويقولون : إذا برأ الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر .

{ فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مهلين بالحج أمرهم أن يجعلوها عمرة ; فتعاظم ذلك عندهم ، وقالوا : يا رسول الله ، أي الحل ؟ قال : الحل كله } .

وهذه المتعة قد انعقد الإجماع على تركها بعد خلاف يسير كان في الصدر الأول ثم زال .

وأما متعة القران فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليها في حجه وكثير من أصحابه .

وقال أبو حنيفة : هي السنة ، وقال مالك والشافعي : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إلا مفردا ، وهو الأفضل ; لأنه لا دم فيه ولا انتفاع بإسقاط عمل ولا سفر .

وتعلق أصحاب أبي حنيفة بأدلة منها : أن عليا شاهد عثمان رضي الله عنهما ينهى عن المتعة ، وأن يجمع بينهما ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما ، وقال : ما كنت أدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد . [ ص: 181 ] وقال له علي : ما تريد أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه الأئمة كلهم .

وتعلق مالك والشافعي بحديث جابر وعائشة رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج } . ومعنى ما روي عن علي أن النبي عليه السلام فعله ، أي أمر بفعله ، وقد حققنا المسألة في كتب شرح الحديث .

وأما المسألة الثالثة ، وهي الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد فقال أحمد : إنها الأفضل ; لقوله عليه السلام { : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة } . رواه الأئمة .

وقال علماؤنا : إنما أشفق النبي صلى الله عليه وسلم على ترك الأرفق لا على ترك الأولى ، والأرفق ; لأنه صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يجعلوها عمرة شق عليهم خلافهم له في الفعل ، فقال { : إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر الهدي } ; معتذرا إليهم مبينا عندهم .

[ ص: 182 ] وقال ، لما رأى من شفقتهم ولما رجاه من امتثالهم واقتدائهم ، وسل سخيمة الجاهلية عن أهوائهم : { لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة كما أمرتكم به } .

والذي يقتضيه لفظ الآية من هذه الأقسام إضافة العمرة إلى الحج بقوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ولا يصلح هذا اللفظ لفسخ الحج إلى العمرة ، وإذا امتنع هذا في الآية لم يبق إلا الجمع بين الحج والعمرة ، فالآية بعد محتملة للقران ، والجمع بينهما إما في لفظ واحد أو في سفر واحد ; لأنهم كانوا معتمرين فصدهم العدو فحلوا ; وذلك في أشهر الحج التي من اعتمر فيها ، ثم حج من عامه في سفره ذلك على ما بيناه من الشروط ; فيكون متمتعا ; فبين الله تعالى ذلك له .

وكأن المعنى أنتم قد اعتمرتم في أشهر الحج ، فلو حججتم في هذا العام لكنتم متمتعين ، وإن كنتم قد صددتم ; لأن عمرتكم مع حلكم قبل البلوغ إلى البيت عمرة صحيحة كاملة تكون إضافة الحج إليها متعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث