الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، ومسلم ، وسعيد بن منصور ، والبزار ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي ، من طريق أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال : كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له : اذهبي [ ص: 51 ] فابغينا شيئا، وكانت كارهة، فأنزل الله : (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم) هكذا كان يقرأها .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج مسلم من هذا الطريق، عن جابر، أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها أميمة، فكان يريدهما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : ولا تكرهوا فتياتكم الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج النسائي ، وابن جرير ، والحاكم وصححه، وابن مردويه ، من طريق أبي الزبير، عن جابر قال : كانت مسيكة لبعض الأنصار، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن سيدي يكرهني على البغاء . فنزلت : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البزار ، وابن مردويه ، عن أنس قال : كانت جارية لعبد الله بن أبي [ ص: 52 ] يقال لها معاذة . يكرهها على الزنى، فلما جاء الإسلام نزلت : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة ، مثله .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن مردويه ، عن علي بن أبي طالب في قوله : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء . قال : كان أهل الجاهلية يبغين إماءهم، فنهوا عن ذلك في الإسلام .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى، يأخذون أجورهن، فنزلت الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطيالسي ، والبزار ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه ، بسند صحيح، عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت له أولادا من الزنى، فلما حرم الله الزنى قال لها : ما لك لا تزنين؟ قالت : لا والله، لا أزني أبدا . فضربها، فأنزل الله : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 53 ] وأخرج سعيد بن منصور ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، عن عكرمة ، أن عبد الله بن أبي كانت له أمتان؛ مسيكة ومعاذة، وكان يكرههما على الزنى، فقالت إحداهما : إن كان خيرا فقد استكثرت منه، وإن كان غير ذلك فإنه ينبغي أن أدعه . فأنزل الله : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، عن أبي مالك في قوله : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء قال : نزلت في عبد الله بن أبي، وكانت له جارية تكسب عليه، فأسلمت وحسن إسلامها، فأرادها أن تفعل كما كانت تفعل، فأبت عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي قال : كان لعبد الله بن أبي جارية تدعى معاذة، فكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها؛ إرادة الثواب منه والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر فشكت ذلك إليه، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرنا من محمد؟ يغلبنا على مماليكنا؟ فنزلت الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن الزهري ، [ ص: 54 ] أن رجلا من قريش أسر يوم بدر، وكان عند عبد الله بن أبي أسيرا، وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها : معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله ابن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل الله : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الخطيب في "رواة مالك" من طريق مالك، عن ابن شهاب ، أن عمر بن ثابت أخا بني الحارث بن الخزرج حدثه : أن هذه الآية في سورة "النور" : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء نزلت في معاذة جارية عبد الله بن أبي ابن سلول؛ وذلك أن عباس بن عبد المطلب كان عندهم أسيرا، فكان عبد الله بن أبي يضربها على أن تمكن عباسا من نفسها، رجاء أن تحمل منه فيأخذ في ولده فداء، فكانت تأبى عليه . وقال : ذلك الغرض الذي كان ابن أبي يبتغي .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد قال : كانوا يأمرون ولائدهم أن يباغوا، فكن يفعلن ذلك ويصبن فيأتين بكسبهن . قال : وكان لعبد الله بن أبي جارية، فكانت تباغي، وكرهت ذلك وحلفت ألا تفعله، [ ص: 55 ] فأكرهها، فأنزل الله الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مقاتل بن حيان قال : بلغنا، والله أعلم، أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما؛ إحداهما اسمها مسيكة، وكانت للأنصاري، والأخرى أميمة، أم مسيكة، لعبد الله بن أبي، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء يعني الزنى .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، عن رافع بن خديج، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث» .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي جحيفة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي مسعود، وأبي هريرة، مثله .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 56 ] وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، من طريق علي، عن ابن عباس : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء قال : لا تكرهوا إماءكم على الزنى، فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من يكرههن .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة : إن أردن تحصنا أي : عفة وإسلاما .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير : لتبتغوا عرض الحياة الدنيا يعني : كسبهن وأولادهن من الزنى .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم قال : للمكرهات على الزنى .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن قتادة : فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم قال : لهن وليست لهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير قال : في قراءة ابن مسعود : (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم) .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 57 ] وأخرج ابن جرير ، عن سعيد بن جبير ، أنه كان يقرأ : (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم) .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية