الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية السادسة قوله تعالى قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين

الآية السادسة

قوله تعالى : { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل } .

اعلموا ، علمكم الله الاجتهاد ، وحفظ سبيل الاعتقاد أن هذه الآية لم يذكرها القاضي أبو إسحاق في كتاب الأحكام ، مع أن مالكا قد ذكرها ، وهذه غفلة لا تليق بمنصبه ، وفيها أحاديث كثيرة ، وآثار من جنس ما ذكرناه في غيرها ، ونحن نحلب درها ، وننظم دررها ، ونشد مئزرها إن شاء الله ، وفيها ثلاثون مسألة :

المسألة الأولى : قوله : { إني أريد أن أنكحك } فيه عرض المولى وليته على الزوج ، وهذه سنة قائمة : عرض صالح مدين ابنته على [ ص: 495 ] صالح بني إسرائيل ، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم .

فأما حديث عمر فرواه عبد الله بن عمر حين { تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدرا ، وتوفي بالمدينة قال : فلقيت عثمان بن عفان ، فعرضت عليه حفصة ، فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر . فقال : سأنظر في أمري ، فلبثت ليالي ، ثم لقيني ، فقال : قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا . قال عمر : فلقيت أبا بكر الصديق ، فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر . فصمت أبو بكر ، فلم يرجع إلي شيئا ، فكنت عليه أوجد مني على عثمان ، فلبثت ليالي ، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه ، فلقيني أبو بكر فقال : لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا ، فقلت : نعم . فقال : إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرها ، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها } .

وأما حديث الموهوبة فروى سهل بن سعد الساعدي قال { : إني لفي القوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءت امرأة ، فقالت : يا رسول الله ; جئت أهب لك نفسي ، فرأيك . فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه ، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست وقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ; إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها . فقال : هل عندك من شيء ؟ فقال : لا والله يا رسول الله . فقال : اذهب إلى أهلك فانظر لعلك تجد شيئا . فذهب ورجع فقال : لا والله ما وجدت شيئا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انظر ولو خاتما من حديد . فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد . ولكن هذا إزاري قال سهل : ما له رداء فلها نصفه . [ ص: 496 ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تصنع بإزارك ؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء فجلس الرجل حتى طال مجلسه ، ثم قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا ، فأمر به فدعي ، فلما جاء قال : ما معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وسورة كذا ، لسور عددها . قال : تقرأهن عن ظهر قلبك ؟ قال : نعم . قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن } . وفي رواية : " زوجتكها " . وفي أخرى : " أنكحتكها " . وفي رواية : " أمكناكها " . وفي رواية : " ولكن اشقق بردتي هذه ، أعطها النصف وخذ النصف " .

فمن الحسن عرض الرجل وليته والمرأة نفسها على الرجل الصالح اقتداء بهذا السلف الصالح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث