الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 927 ] 174 - فصل في ذكر نصوص أحمد في هذا الباب .

قال علي بن سعيد : سمعت أحمد ، وسئل عن السرية في أرض العدو يأخذون صبيانا ، قال : قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الولدان إن كان معهم غنم يسقونه وإن لم يكن معهم غنم فلا أعلم له وجها إلا أن يدفع إلى بعض الحصون من الروم .

وقال المروذي : سئل أبو عبد الله عن الرضيع يؤسر ، وليس معهم من يرضعه ، قال : لا يترك ، يحمل ويطعم ، ويسقى ، وإن مات مات .

وقال يعقوب بن بختان : سألت أحمد بن حنبل عن الصبي الصغير وجد في بلاد الروم ، فلا يكون معهم من يرضعه قال : يحملونه معهم حتى يموت .

وقال إسحاق بن إبراهيم : سألت أبا عبد الله عن الصبي الصغير الرضيع يخرج من بلاد الروم ، وليس معهم أحد يرضعه ، أيخرج به ، أو لا يخرج به ؟ قال أبو عبد الله : يخرج فإن مات مات ، وهو مع المسلمين ، وإن عاش عاش ، فإن الله يرزقه وهو من المسلمين .

[ ص: 928 ] قال الخلال : روى هذه المسألة عن أبي عبد الله أربعة أنفس بخلاف ما قال علي بن سعيد ، وما روى علي بن سعيد فأظن أنه قول لأبي عبد الله أول ، ثم رجع إلى أن يحمل ، ولا يترك ، وهو مسلم إن مات أو بقي ، وهو أشبه بقول أبي عبد الله ومذهبه لأن الطفل عنده إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم ، فكيف يترك مسلم في أيديهم ينصرونه ؟

والذي أختار من قول أبي عبد الله ما روى عنه الجماعة أن لا يترك ، وبالله التوفيق .

وكذلك الصغار ومن لم يبلغ الإدراك ممن يسبى ، أو يكون هاهنا ، فإن الحكم فيهم أن يكونوا مسلمين إذا لم يكن معهم آباؤهم ، فإذا كان معهم آباؤهم ، أو أحدهم كان حكم آخر أنا أبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى .

وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله : فإن ماتوا - يعني الصغار - في أيدينا ، أي شيء يكون حكمهم ؟ قال : حكم الإسلام .

قيل له : غلام ابن سبع سنين أسر ، فرأى أنه لا يقتل ، وأن يجبر على الإسلام ، قال : وهكذا الجارية ، قيل له : يباع على أنه مسلم ؟ قال : نعم .

وقال أبو الحارث : قال أبو عبد الله : إذا سبي الصغير ، وليس معه أبواه صلي عليه .

[ ص: 929 ] وقال أبو طالب : سألت أبا عبد الله ، فقال : إذا كان الصغير ليس معه أبواه يصلى عليه .

وقال إسحاق بن إبراهيم : قلت لأبي عبد الله : فإن سبي مولود وحده ما يكون ؟ قال : مسلما .

وقال الفضل بن عبد الصمد : سألت أبا عبد الله ، عن الصبي من صبيان العدو يسبى فيموت أيصلى عليه ؟ فقال : إن كان مع أبويه لم يصل عليه ، وإن كان وحده وقد أحرز صلي عليه ، قلت : فإن لم يكن مع أبويه ، وكان مع جماعة السبي ؟ قال : يصلى عليه .

وقال إسحاق بن منصور : قلت لأبي عبد الله : قال الثوري إذا كان العجم صغارا عند المسلم صلي عليهم ، وإن لم يكن خرج بهم من بلادهم فإنه يصلى عليهم .

وقال حماد : إذا ملك الصغير فهو مسلم .

[ ص: 930 ] قال أحمد إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم .

وظاهر هذا النص أنه يحكم بإسلامه تبعا لمالكه .

وهذا محض الفقه : إذ لا فرق بين ملكه بالسباء ، وملكه بالشراء ؛ لأن المعنى الذي حكم لأجله بإسلامه إذا ملك بالسباء هو بعينه موجود في صورة الملك بالشراء ، فيجب التسوية بينهما لاستوائهما في علة الحكم ، وقد صرح به في رواية الفضل بن زياد ، فقال : سمعت أبا عبد الله ، وسئل عن المملوك الصغير يشترى ، فإذا كبر عند سيده أبى الإسلام ؟ قال : يجبر على الإسلام ؛ لأنه قد رباه المسلمون ، وليس معه أبواه . قيل له : فكيف يجبر ؟ قال : يعذب ، قيل له : يضرب ؟ قال : نعم ، فقال رجل عنده : سمعت

[ بقية ] يقول : يغوص في الماء حتى يرجع إلى الإسلام ! فضحك من ذلك وعجب منه : فقد صرح بأنه تابع لمالكه .

وقال أبو زكريا النيسابوري : سمعت أبا عبد الله يقول في غلام سبي ، وهو صغير ، فلما أدرك عرض عليه الإسلام فأبى . فقال أبو عبد الله : يقهر عليه . قال : كيف يقهر عليه ؟ قال : يضرب .

[ ص: 931 ] فحكى مهنا ، عن الأوزاعي قال : يغوص في الماء حتى يرجع إلى الإسلام ، قال : فرأيت أبا عبد الله يستعيد مهنا : كيف قال الأوزاعي ؟ وجعل يبتسم .

وقال أبو داود : قلت لأبي عبد الله : السبي يموتون في بلاد الروم ، قال : معهم آباؤهم ؟ قلت : لا ، قال : يصلى عليهم ؟ قلت : لم يقسموا ونحن في السرية ؟ قال : إذا صاروا إلى المسلمين ، وليس معهم آباؤهم فإن ماتوا يصلى عليهم ، وهم مسلمون ، قلت : فإن كان معهم آباؤهم ؟ قال : لا ، قلت : لأبي عبد الله : إن أهل الثغر يجبرونهم على الإسلام ، وإن كان معهم آباؤهم . قال : لا أدري .

وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى يسأل عن هذه المسألة ، أو ذكرها ، فقال : أهل الثغر يصنعون أشياء ما أدري ما هي !

[ ص: 932 ] وقال صالح : قلت لأبي : الصبي إذا أسره المسلمون ؟ قال : يجبر على الإسلام ، قلت : وإن كان مع أبويه ؟ قال : بلغني أن أهل الثغر يجبرونه على الإسلام ، وما أحب أن أجيب فيها ، قلت : إن بعض من يقول لا يجبر يقول : إن عمر بن عبد العزيز فادى بصبي صغير . قال أبي : هذا فادى به وهو مسلم ، واستشنع قول من قال : لا يجبر .

وقال بكر بن محمد ، عن أبيه : أنه سأل أبا عبد الله عن أهل الشرك يسبون وهم صغار ، ومعهم الأب والأم ؟ قال : هم مع آبائهم نصارى ، وإن كانوا مع أحد الأبوين فهكذا ، هم نصارى ، فإذا لم يكن مع أبويه ، ولا مع أحدهما فهو مسلم .

قال : وعمر بن عبد العزيز فادى بصبي ، ولا يعجبني أن يفادي بصبي ، ولا إن كان معه أبواه ، ولا يجبر أبواه ؛ لأنه إذا كان مع أبويه ، أو مع أحد أبويه يطمع أن يموت أبواه ، وهو صغير فيكون مسلما ، وأهل الثغر ، والأوزاعي يقولون : إذا كانوا صغارا مع آبائهم فهم مسلمون .

وقال الحسن بن ثواب : قلت لأبي عبد الله : سألت بعض أصحاب مالك عن قوم مشركين سبوا ، ومعهم أبناؤهم صغارا ما يصنع بهم الإمام إذا ماتوا ؟ يأمر بالصلاة عليهم ، أو يجبرهم على الإسلام ؟ قال لي : إذا كان مع أبيه لم أجبره على الإسلام حتى يعرف الإسلام ويصفه ، فإن أسلم ، وإلا أجبر عليه ، قلت : لا

[ يفعل ] ، قال : أضربه ما دون نفسه .

[ ص: 933 ] وإذا أخذ أطفال صغار وليس معهم آباؤهم حتى يصيروا في حيز المسلمين إلى بلدهم ، ثم ماتوا صلي عليهم ، ودفنوا .

قلت : وسألت بعض أصحاب مالك عن رجل سبي وامرأته ومعهما صبي صغير ما يصنع به ؟ قال : أدعه حتى يعقل الإسلام ، فإذا عقله فإما أن يسلم وإلا السيف .

قال أبو عبد الله : إن قوما يقولون : إذا سبي وهو بين أبويه أجبر على الإسلام ، وإذا سبي وليس معه أبواه فمات كفن وصلي عليه ، وإذا كان معه أبواه لم يصل عليه ، وتبسم ، ثم ضحك .

[ أخبرني عبد الله بن حنبل قال : حدثني أبي ، قال : قال عمي ] في السبي يسبى مع العدو ، فيموت ، قال : إذا صلى ، وعرف الإسلام صلي عليه ، ودفن مع المسلمين ، وإذا لم يسلم ويصل لم يصل عليه ، وفي الصغير يسلم [ ص: 934 ] ثم يموت قال : يصلى عليه .

قال حنبل : وحدثنا إبراهيم بن نصر ، ثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن الربيع ، عن الحسن البصري في السبي يسبى مع أبويه ، فيموت .

قال : يكفن ، ثم يصلى عليه .

وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله : إني كنت بواسط فسألوني عمن يموت هو وامرأته ويدعان طفلين ، ولهما عم ما تقول فيهما ؟ فإنهم كتبوا إلى البصرة فيها ، وقالوا : إنهم قد كتبوا إليك ، فقال : أكره أن أقول فيها برأيي ، دع حتى أنظر لعل فيها شيئا عمن تقدم .

[ ص: 935 ] فلما كان بعد شهر عاودته ، فقال : قد نظرت فيها فإذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " فأبواه يهودانه ، وينصرانه " ، وهذا ليس له أبوان ، قلت : يجبر على الإسلام ؟ قال : نعم ، هؤلاء مسلمون لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال أبو الحارث : قال أبو عبد الله : ولو أن صبيا له أبوان نصرانيان فماتا ، وهو صغير ، فكفله المسلمون فهو مسلم .

وقال يعقوب بن بختان : قال أبو عبد الله : الذمي إذا مات أبواه ، وهو صغير أجبر على الإسلام ، وذكر الحديث : " فأبواه يهودانه وينصرانه " .

وقال إسحاق بن منصور : سألت أبا عبد الله عن نصرانيين يكون بينهما ولد فيموت الأب ، هل يجبر على الإسلام ؟ قال : نعم ، يجبر على الإسلام .

وقال أبو طالب : سألت أبا عبد الله عن ولد يهودي ، أو نصراني مات [ ص: 936 ] أبوه ، وهو صغير ؟ قال : هو مسلم إذا مات أبواه ، قلت : يرث أبويه ؟ قال : نعم ، يرثهما ، ويجبر على الإسلام . قلت : فله عم أو أخ ، أرادوا أن يأخذوه ؟ قال : لا يأخذونه وهو مسلم ، قلت : فمات عمه ، أو أخوه ، يرثه ؟ قال : لا .

وقال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : اشترى رجل عبدا يهوديا ، أو نصرانيا ، وليس معه أبواه ، يجبر على الإسلام ؟ قال : يعجبني ذلك إذا لم يكن معه أبواه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث