الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 244 ] ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمائة

في النصف من ربيع الأول منها كانت وقعة عظيمة بين الأخوين السلطانين محمود ومسعود ابني محمد بن ملكشاه
عند عقبة أسداباذ ، فانهزم عسكر مسعود ، وأسر وزيره الأستاذ أبو إسماعيل وجماعة من أمرائه ، فأمر السلطان محمود بقتل الوزير أبي إسماعيل ، فقتل وله نيف وستون سنة ، وله تصانيف في صناعة الكيمياء . ثم أرسل إلى أخيه مسعود الأمان ، واستقدمه عليه ، فلما اجتمعا اعتنقا وبكيا واصطلحا .

وفيها نهب دبيس بن صدقة صاحب الحلة البلاد وركب بنفسه إلى بغداد ، فنصب خيمة بإزاء دار الخلافة ، وأظهر ما في نفسه من الضغائن ، وذكر كيف طيف برأس أبيه في البلاد ، وتهدد المسترشد فأرسل إليه الخليفة يسكن جأشه ، ويعده أنه سيصلح بينه وبين السلطان محمود ، فلما قدم السلطان محمود بغداد أرسل دبيس يستأمن ، فأمنه وأجراه على عادته ، ثم إنه نهب جيش السلطان ، فركب السلطان محمود بنفسه لقتاله ، واستصحب معه ألف سفينة ليعبر بها إلى الحلة ، فهرب دبيس من بين يديه والتجأ إلى إيلغازي فأقام عنده سنة ، ثم عاد إلى الحلة ، وأرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر إليهما ، فلم يقبلا منه ، وجهز إليه السلطان جيشا فحاصروه وضيقوا عليه قريبا من سنة ، وهو ممتنع في بلاده لا يتمكن الجيش من الوصول إليه في تلك الأماكن .

[ ص: 245 ] وفيها كانت وقعة عظيمة بين الكرج والمسلمين بالقرب من تفليس ، ومع الكرج كفار القفجاق ، فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا ، وغنموا أموالا جزيلة ، وأسروا نحوا من أربعة آلاف أسير ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ونهب الكرج تلك النواحي وفعلوا أشياء منكرة ، وحاصروا تفليس مدة ثم ملكوها عنوة ، بعدما أحرقوا القاضي والخطيب حين خرجوا إليهم يطلبون الأمان ، وقتلوا عامة أهلها ، وسبوا الذرية ، واستحوذوا على الأموال ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .

وفيها أغار جوسلين الفرنجي صاحب الرها على خلق من العرب والتركمان فقتلهم وغنم أموالهم .

وفيها تمردت العيارون ببغداد ، وأخذوا الدور جهارا ليلا ونهارا ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .

وفي هذه السنة كان ابتداء ملك محمد بن تومرت ببلاد المغرب ، كان ابتداء أمر هذا الرجل أنه قدم في حداثة سنه من بلاد المغرب إلى بغداد فسكن النظامية ، واشتغل بالعلم فحصل جانبا جيدا من الفروع والأصول على الغزالي وغيره ، وكان يظهر التعبد والزهد والورع ، وربما أنكر على الغزالي حسن ملابسه ، ولا سيما حين لبس خلعة التدريس بالنظامية ، ثم حج وعاد إلى بلاده ، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقرئ الناس القرآن ، ويشغلهم في الفقه ، فطار ذكره في الناس ، واجتمع به يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب بلاد إفريقية [ ص: 246 ] فعظمه وأكرمه وسأله الدعاء فاشتهر أيضا بذلك وبعد صيته ، وليس معه إلا ركوة وعصا ، ولا يسكن إلا المساجد ، ثم كان ينتقل من بلد إلى بلد حتى دخل مراكش ، ومعه تلميذه عبد المؤمن بن علي ، وكان وقد كان توسم فيه النجابة والشهامة ، فرأى فيها من المنكرات أضعاف ما رأى في غيرها ; من ذلك أن الرجال يتلثمون والنساء يمشين حاسرات عن وجوههن ، فأخذ في إنكار ذلك ، حتى إنه اجتاز به في بعض الأيام أخت أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ملك مراكش وما حولها ، ومعها نساء راكبات حاسرات عن وجوههن ، فشرع هو وأصحابه ينكرون عليهن ويضربون الدواب ، فسقطت أخت الملك عن دابتها ، فأحضره الملك وأحضر الفقهاء فظهر عليهم بالحجة ، وأخذ يعظ الملك في نفسه ، ومع هذا نفاه الملك عن بلده ، فشرع يشنع عليه ويدعو الناس إلى قتاله ، فاتبعه على ذلك خلق كثير ، فجهز إليه ابن تاشفين جيشا كثيفا فهزمهم ابن تومرت ، فعظم شأنه وارتفع أمره وقويت شوكته ، وتسمى بالمهدي ، وسمى جيشه جيش الموحدين ، وألف كتابا في التوحيد وعقيدة تسمى المرشدة ، ثم كانت له وقعات مع جيوش ابن تاشفين ، فقتل في بعض الأيام منهم نحوا من سبعين ألفا ، وذلك بإشارة أبي عبد الله الونشريسي ، وكان ذكر أنه نزل إليه ملك وعلمه القرآن و " الموطأ " وله بذلك ملائكة يشهدون به في بئر سماه ، فلما اجتاز به وكان قد أرصد فيه رجالا ، فلما سألهم والناس يسمعون شهدوا له [ ص: 247 ] بذلك ، فأمر حينئذ بطم البئر عليهم فماتوا عن آخرهم ، ولهذا يقال : من أعان ظالما سلط عليه .

ثم جهز ابن تومرت الذي لقب نفسه بالمهدي جيشا عليهم أبو عبد الله الونشريسي وعبد المؤمن لمحاصرة مراكش ، فخرج إليهم أهلها فاقتتلوا قتالا عظيما ، فكان في جملة من قتل أبو عبد الله الونشريسي هذا الذي زعم أن الملائكة تخاطبه ، ثم افتقدوه في القتلى فلم يجدوه ، فقالوا : إن الملائكة رفعته ، وقد كان عبد المؤمن دفنه والناس في المعركة ، وقتل من أصحاب المهدي خلق كثير ، وقد كان حين جهز الجيش مريضا مدنفا ، فلما جاءه الخبر ازداد مرضا إلى مرضه ، وساءه قتل أبي عبد الله الونشريسي ، وجعل الأمر من بعده لعبد المؤمن بن علي ، ولقبه أمير المؤمنين ، وقد كان شابا حسنا حازما عاقلا .

ثم مات ابن تومرت وقد أتت عليه إحدى وخمسون سنة ، ومدة ملكه عشر سنين ، وحين صار الأمر إلى عبد المؤمن بن علي أحسن إلى الرعايا ، وظهرت منه سيرة جيدة فأحبه الناس ، واتسعت ممالكه ، وكثرت جيوشه ورعيته ، ونصب العداوة لابن تاشفين صاحب مراكش ، ولم يزل الحرب بينهما إلى سنة خمس وثلاثين ، فمات ابن تاشفين ، فقام ولده تاشفين من بعده فمات في سنة تسع وثلاثين ليلة سبع وعشرين من رمضان ، فولي أخوه إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين ، فسار إليه عبد المؤمن ، فملك تلك النواحي وفتح مدينة مراكش وقتل هنالك أمما لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل ، وقتل ملكها إسحاق ، وكان صغير السن في سنة ثنتين وأربعين ، وكان إسحاق هذا آخر ملوك المرابطين ، وكان مدة ملكهم سبعين سنة .

[ ص: 248 ] والذين ملكوا منهم أربعة : علي ووالده يوسف وولداه تاشفين وإسحاق ابنا علي المذكور .

فاستوطن عبد المؤمن مدينة مراكش ، واستقر ملكه بتلك الناحية ، وظفر في سنة ثلاث وأربعين بدكالة ، وهي قبيلة عظيمة نحو مائتي ألف راجل وعشرين ألف فارس مقاتل من الشجعان الأبطال ، فقتل منهم خلقا كثيرا وجما غفيرا ، وسبى ذراريهم ، وغنم أموالهم ، حتى إنه بيعت الجارية الحسناء بدراهم معدودة وقد رأيت لبعضهم في سيرة ابن تومرت هذا مجلدا في أحكامه وأيامه ، وكيف تملك ببلاد المغرب ، وما كان يتعاطاه من الأشياء التي توهم أنها أحوال برة ، وهي محال لا تصدر إلا عن فجرة ، وما قتل من الناس وأزهق من الأنفس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث