الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في طلب العلم وما يبدأ به منه وما هو فريضة منه وفضل أهله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 33 ] فصل ( في طلب العلم وما يبدأ به منه وما هو فريضة منه ، وفضل أهله ) .

قال الميموني : سألت أبا عبد الله أيهما أحب إليك أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث قال : لا بالقرآن قلت : أعلمه كله قال : إلا أن يعسر فتعلمه منه . ثم قال لي : إذا قرأ أولا تعود القراءة ثم لزمها وعلى هذا أتباع الإمام أحمد إلى زمننا هذا .

وسيأتي قريبا قول ابن المبارك إن العلم يقدم على نفل القرآن وهذا متعين إذا كان مكلفا لأنه فرض فيقدم على النفل وكلام أحمد والله أعلم إنما هو في الصغير كما هو ظاهر السياق والذي سأل ابن المبارك كان رجلا فلا تعارض ، وأما الصغير فيقدم حفظ القرآن لما ذكره أحمد من المعنى . ولأنه عبادة يمكن إدراكها والفراغ منها في الصغر غالبا ، والعلم عبادة العمر لا يفرغ منه فيجمع بينهما حسب الإمكان ، وهذا واضح وقد يحتمل أن يكون العلم أولى لمسيس الحاجة إليه لصعوبته وقلة من يعتني به بخلاف القرآن ولهذا يقصر في العلم من يجب عليه طلبه ولا يقصر في حفظ القرآن حتى يشتغل بحفظه من يجب عليه الاشتغال في العلم كما هو معلوم في العرف والعادة .

وقال ابن هانئ : لأحمد ما معنى لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار قال : " هذا يرجى لمن القرآن في قلبه أن لا تمسه النار " في إهاب يعني في قلب رجل وقال : أيضا في جلد وقال إسماعيل الشالنجي عن أبي عبد الله قال : والذي يجب على الإنسان من تعليم القرآن والعلم ما لا بد له منه في صلاته وإقامة عينه ، وأقل ما يجب على الرجل من تعلم القرآن فاتحة الكتاب وسورتان كذا وجدته ، ولعله وسورة ، وإلا فلا أدري ما وجهه ؟ مع أنه إنما يجب حفظه ما بلغ أن يجزئه في صلاته وهو الفاتحة خاصة في الأشهر عن أحمد والمسألة معروفة في الفقه .

وقد قال ابن حزم في الإجماع قبل [ ص: 34 ] السبق والرمي : اتفقوا أن حفظ شيء من القرآن واجب ولم يتفقوا على ما هية ذلك الشيء ولا كميته بما يمكن ضبط إجماع فيه إلا أنهم اتفقوا على أنه من حفظ أم القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم وسورة أخرى معها فقد أدى فرض الحفظ ، وأنه لا يلزمه أكثر من ذلك .

واتفقوا على استحباب حفظ جميعه وأن ضبط جميعه واجب على الكفاية لا متعين .

وروى الخلال عنه أنه سئل عن رجل حفظ القرآن وهو يكتب الحديث يختلف إلى مسجد يقرأ ويقرئ ويفوته الحديث أن يطلبه فإن طلب الحديث فاته المسجد وإن قصد المسجد فاته الحديث فما تأمره قال : بذا وبذا فأعدت عليه القول مرارا كل ذلك يجيبني جوابا واحدا بذا وبذا .

وسأل رجل ابن المبارك يا أبا عبد الرحمن في أي شيء أجعل فضل يومي في تعلم القرآن أو في تعلم العلم ؟ فقال هل تحسن من القرآن ما تقوم به صلاتك : قال نعم قال : عليك بالعلم .

وقال أحمد في رواية أحمد بن الحسين وقيل له طلب العلم فريضة قال نعم لأمر دينك وما تحتاج إليه من أن ينبغي أن تعلمه وقال في رواية أبي الحارث : يجب عليه أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه ولا يفرط في ذلك قلت : فكل العلم يقوم به دينه قال : الفرض الذي يجب عليه في نفسه لا بد له من طلبه .

قلت : مثل أي شيء قال الذي لا يسعه جهله صلاته وصيامه ونحو ذلك وقال عبد الله سألت أبي عن الرجل يجب عليه طلب العلم قال أما ما يقيم به دينه من الصلاة والزكاة وذكر شرائع الإسلام فقال : ينبغي أن يتعلم ذلك .

وقال ابن منصور لأبي عبد الله تذاكر بعض ليلة أحب إليك من إحيائها قال : العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم قلت الصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم قال ابن منصور : قال لي إسحاق بن راهويه : { طلب العلم واجب } لم يصح الخبر فيه إلا أن معناه قائم يلزمه طلب ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إذا وقعت فلا حاجة للوالدين في ذلك .

وأما من خرج يبتغي علما [ ص: 35 ] فلا بد له من الخروج بإذن الأبوين لأنه فضيلة فالنوافل لا تبتغي إلا بإذن الآباء وقال المروذي لأبي عبد الله الرجل يطلب العلم ويستأذن والدته فتأذن له وهو يعلم أن المقام أحب إليها قال : إذا كان جاهلا لا يدري كيف يطلق ولا يصلى فطلب العلم أحب إلي . وإن كان قد عرف فالمقام عليها أحب إلي .

وروى الخلال عنه أن رجلا سأله : إني أطلب العلم وإن أمي تمنعني من ذلك تريد حتى أشتغل في التجارة ، قال لي دارها وأرضها ولا تدع الطلب وقال له رجل غريب عن بلده طلب العلم أحب إليك أم أرجع إلى أمي ؟ فقال له إذا كان طلب العلم مما لا بد أن تطلبه فلا بأس ، وسأله رجل قدمت الساعة وليس أدري شيئا ما تأمرني ؟ فقال أبو عبد الله : عليك بالعلم وقال إسحاق بن إبراهيم : سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون له أبوان موسران يريد طلب الحديث ولا يأذنان له قال : يطلب منه بقدر ما ينفعه ، العلم لا يعدله شيء .

وفي الصحيحين عن معاوية مرفوعا { من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين } وعن عمر مرفوعا { إن الله يرفع بهذا العلم أقواما ويضع به آخرين } وعن أبي هريرة مرفوعا { من سلك طريقا يبتغي به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة } رواهما مسلم .

وقال ابن مسعود : إن أحدكم لم يولد عالما وإنما العلم بالتعلم وقال أيضا : اغد عالما ، أو متعلما ولا تغد إمعة بين ذلك وقال أيضا : اغد عالما أو متعلما ، أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك وقال حماد بن حميد عن الحسن قال أبو الدرداء كن عالما أو متعلما أو محبا ، أو متبعا ولا تكن الخامس فتهلك قال الحسن هو المبتدع قال البيهقي وروي مثله عن ابن مسعود وروي مرفوعا وهو ضعيف ، وقال أبو الدرداء : العالم والمتعلم في الأجر سواء وسائر الناس همج لا خير فيهم .

وقال الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه .

وقال عبد الرزاق عن أيوب عن أبي قلابة [ ص: 36 ] عن ابن مسعود عليكم بالعلم قبل أن يقبض . وقبضه ذهاب أهله ، وعليكم بالعلم وإياكم والتنطع والتعمق ، وعليكم بالعتق فإنه سيجيء أقوام يتلون كتاب الله وينبذونه وراء ظهورهم .

وقال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا رآها الناس اقتدوا بها ، وإذا عميت عليهم تحيروا } وعن أبي أمامة مرفوعا { فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير } رواه الترمذي وقال : صحيح غريب . وعن أبي الدرداء مرفوعا { إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر } رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بنحوه .

وأما ما يذكره بعض الناس " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " فلم أجد له أصلا ولا ذكر له في الكتب المشهورة المعروفة ولا يصح .

وروى الخلال عن أنس رضي الله عنه قال : قال " طلب العلم فريضة " وروى ابن شاهين ثنا سليمان الأشعث ثنا حفص بن مسافر الشيشي ثنا يحيى بن حسان ثنا سليمان بن قرم عن ثابت عن أنس رضي الله عنه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { طلب العلم فريضة على كل مسلم } كلهم ثقات إلا سليمان فإنه مختلف فيه قال أحمد لا أرى به بأسا لكنه يفرط في التشيع وضعفه ابن معين وقال أبو زرعة : ليس بذاك وقال أبو حاتم : ليس بالمتين وقال النسائي : ليس بالقوي وقال ابن عدي أحاديثه حسان .

ورواه حسان ابن سارة عن ثابت لكن حسان ضعيف قال ابن شاهين وهذا حديث غريب من أصح حديث في هذا الباب .

ورواه ابن ماجه من رواية حفص بن سليمان القارئ وهو متروك عندهم وفيه { وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر والذهب } .

وقال ابن عبد البر : هذا حديث يروى [ ص: 37 ] عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة كلها معلولة لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث